Home مجتمع هندسة مالية” للمدارس الخاصة

هندسة مالية” للمدارس الخاصة

0

رفض اتحاد المدارس الكاثوليكية تطبيق القانون 46 المتعلق بسلسلة الرتب والرواتب للمعلمين في المدارس الخاصة، وذهب الى أبعد. فقد رفضت المدارس الكبيرة سداد مستحقات نحو 800 معلم من صندوق التعويضات يعتاشون عليها مع أسرهم. علماً أن تلك المدارس تقتطع المستحقّات من رواتب الأساتذة على ما يقول نقيب المعلمين في المدارس الخاصة رودولف عبود. في انتظار قرار حكومي بتمويل ما أضافه القانون على رواتب المعلمين. غير ذلك لا حلول! وفي صندوق التقاعد ممثلون أربعة للمدارس الخاصة الدينية عن جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية، والراهبات اليسوعيات، والمبرّات والمدارس الكاثوليكية. إنه مظهر من مظاهر عصيان القانون وغياب سلطان الدولة عن تطبيقه بعدما صدر عن مجلس النواب ونشر في الجريدة الرسمية. ويستفاد من الأجواء السياسية المصاحبة لهذه القضية، أن أصحاب مدارس المؤسسة الدينية المسيحية – الاسلامية نالوا وعداً جِدياً لحل المشكلة من مال الخزانة العاجزة. وأن الوسيلة الفضلى لتطبيق القانون بعد تجاهله لا يكون إلاّ بقانون آخر. فكل نفقة تحتاج قانوناً بموجب الدستور. ومجلس النواب والحكومة هما نتاج المؤسسة الدينية وطوائفها، وعماد الهيكل السياسي والمؤسسة السياسية. أما المواطنون والشعب والدولة المدنية فلا رأي لهم. وما عليهم سوى الإذعان. لو صدر قانون التمويل من جيوبهم وبمزيد من العجز والدين، سيكون إخراجاً لهندسة مالية جديدة للقطاع الخاص، مخالفة للدستور والقوانين ومصادرة لمال الفقراء. أولاً: لأنه يلغي قانوناً آخر ليس لعلة تحسينه أو تطويره. بل لرفض أحد كيانات المجتمع تنفيذه، لأنه يرتب عليه موجبات وحقوقاً حددها القانون 46 لعاملين في قطاع تربوي في سياق تجاري، أو لقطاع تجاري في سياق تربوي. ثانياً: لأنه يلزم الدولة بأعباء مالية من المكلف اللبناني لمرفق يملكه القطاع الخاص، ويديره، ويقرر موازناته وإنفاقه وإيراداته ويتربح منها وينتفع، بعيداً من المؤسسات الدستورية ورقابتها وصلاحياتها. ثالثاً: لأنه يميز بين لبناني وبين آخر خلافا للفقرة ج من مقدمة الدستور. وعلى قاعدة طبقية مقيتة. يقدم مالاً لمدارس نخبوية وشبه نخبوية لا يرتادها التلامذة الفقراء ومن بقي من الطبقة المتوسطة الذين يلوذون بالمدرسة الحكومية لتعليم أبنائهم. وهؤلاء مطلوب منهم لو صدر القانون تمويل الأثرياء. علماً أن مدارس القطاع الخاص الشديدة النخبوية والمشهورة ستتربح أيضاً من القانون. رابعاً: لأن القانون لو صدر يستلزم بالأولوية فتح ملف التعليم برمته. وفي كل مراحله الابتدائية والأساسية والثانوية وصولاً الى التعليم العالي. والتركيز على المدرسة الحكومية وتطويرها. وعلى الجامعة اللبنانية وتجهيزاتها ومخرجاتها. ففي كل موسم دراسي هناك مميزون في المؤسسة التعليمية الحكومية. ومعلموها وأساتذتها ليسوا بالضرورة على مستوى أقل من نظرائهم في المدارس والجامعات الخاصة. لبنان في حاجة الى تطوير التعليم في القطاع العام والى جودة الإنفاق عليه ورقابته. وقفل كل المدارس التي تتعيش على المنح الحكومية ولا تؤدي مخرجات بالجودة المطلوبة. ومعظم تلك المدارس خاضعة لتوازنات الطوائف وزعماء السياسة وجهات دينية وخيرية مزعومة. أما دعم المدرسة الخاصة بنحو 450 مليون دولار اميركي بتقدير اللجنة الأسقفية للمدارس الكاثوليكية لتنفيذ القانون 46 وسداد رواتب السلسلة، وما طرأ على تعويضات المعلمين من زيادات، فإقرار بعجز الدولة عن قيامها بوظائفها وواجباتها. سمعنا بعض المرجعيات الدينية توصيف المدرسة الخاصة ذات منفعة عامة تسوغ سداد الدولة أعباء رواتب السلسلة. نعم، هناك منفعة عامة من المدارس الخاصة بالتأكيد. لكن هناك في المقابل منفعة خاصة وأرباح لقاء تجارة التعليم. وهناك منفعة عامة أيضاً من المستشفى وقطاع الإسكان والكهرباء والمياه والنقل وقطاع الادوية، وكل ما يتصل بالحياة وبضروراتها غير القابلة للتأجيل. ما هي اوضاع قطاعات المنفعة العامة تلك؟ مولدات الكهرباء الخاصة باتت منفعة عامة لا غنى عنها. لو افترضنا أن أصحاب المولدات الكهربائية استنكفوا عن أعمالهم وتوقفوا عن توفير الخدمة. ماذا يحصل؟ يتوقف البلد عن العمل ويصاب بالشلل. الحل يكون بتوفير الكهرباء على مدار الساعة، وعدم التمييز بين مواطن وبين آخر في توزيع التيار الكهربائي بالتقنين. وعدم إيثار العاصمة بمعاملة تمييزية. في الأصل هناك انتهاك للدستور مرتين في هذا المجال. المرة الأولى تمييز مواطني العاصمة وسكانها عن بقية المواطنين. والمرة الثانية أن اللبنانين من دون استثناء يمولون عجز مؤسسة كهرباء لبنان من الخزانة وموازنة الدولة. أكان من خلال الضرائب والرسوم، أم عبر دين الدولة العام وفوائده. يقومون بواجباتهم ولا يحصلون على حقوقهم من الخِدمات. وسمعنا أيضاً من مرجع ديني أعلى إن المساواة تقتضي تمويل الدولة لزيادة رواتب المعلمين. أين هي المساواة في هذا المجال؟ هل المساواة مع المدارس الرسمية التي تدار من الحكومة وتعلم الفقراء من أموالهم ولا تدر ربحاً؟ وكل ذلك لا ينطبق على المدارس الخاصة. ربما اختلطت المساواة بالعدل. الفرق كبير بينهما. يلتقيان حيناً ويختلفان أحياناً. المساواة بالفرص. وبالحقوق والواجبات. إذ لا يجزى الطالب الكسول علامات بالتساوي مع الطالب الذي جدّ واجتهد. أما العدل فإحقاق الحق بين الناس، والنطق به في المحاكم وليس في وزارة العدل. ولا جدال في حَقيّة المرء بفرص العلم والمعرفة. وبسويتها للفقراء والموسرين. ولا نحسبهم كلهم أغنياء. وأما طلب مال العموم لتعليم الخاصة، والتصرف به، وادارته، والتربح منه، فلا عدل فيه ولا مساواة. من يدري؟ قد يؤدي وفاق الطوائف الى استسهال مال الفقراء في موسم انتخابات نيابية على الأبواب. وقد أعددنا أنفسنا للمزيد من المفاجآت وقت نحتاج فيه الى سد فجوة العجز، وووضع الدين العام على مسار تنازلي، والشروع في اصلاحات مالية واقتصادية يطالبنا بها مؤتمر باريس في آذار المقبل لبحث توفير قروض استثمارية للبنان. رفض القانون 46 مخالف للدستور. والهندسة المالية للمدارس الخاصة مطعونٌ في دستوريتها.

بقلم عصام الجردي