
كتب جمال فياض
في أمسية فنية دافئة حملت الكثير من الوهج والرقي، أحيا المطرب اللبناني نقولا الأسطا حفلاً خاصًا بمناسبة عيد ميلاد الشيخ سالم العكاري في مطعم “مرام – الكسليك” ، فتحوّلت المناسبة من احتفال شخصي إلى ليلة طربية كاملة المعايير. الحضور كان كثيفًا ، والجمهور ضمّ نخبة من السميعة والوجوه الفنية والإعلامية، لكن المشهد الحقيقي كان على المسرح… حيث وقف الصوت الزحلاوي الجميل نقولا الأسطا بثقة الفنان الذي يعرف تمامًا ماذا يفعل، وكيف يسيطر على اللحظة وعلى الأذن معًا.
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أنّ النقطة الأهم في هذه الأمسية ليست عدد الأغاني أو نوعها، بل حضور صوتٍ يجمع النقاء والقوة والحدّة والليونة في آن واحد. نقولا الأسطا قدّم أغنيات صعبة تتطلب قدرات غير عادية، وغنّى مواويل لا يقترب منها إلا أصحاب المدارس الكبيرة. بدا صوته كما اعتدناه دائمًا: نظيفًا لا تشوبه شائبة، قويًا يفرض نفسه بلا أي عناء، حسّاسًا يعرف تمامًا كيف يلامس روح المتلقي، وحادًا يستطيع أن يناور بين الطبقات بمهارة نادرة.
الجمهور، رغم جو البهجة العام، كان منصتًا. ليس لأن المناسبة احتفالية فقط، بل لأنه يسمع النادر والممتع من الغناء، ويعود بالذاكرة إلى الزمن اللبناني الجميل.
نقولا الأسطا لم يقدّم طربًا عابرًا، بل اختار اللون الأصعب: أغنيات وديع الصافي، ومواويل تحتاج إلى قدرة صوتية واسعة وإحساس عميق. هي مناطق أدائية لا يجرؤ أي مطرب على دخولها ما لم يكن واثقًا تمامًا من صوته ومن أدواته. ومع ذلك، بدا نقولا مرتاحًا، ثابتًا، وكأن هذه المساحات هي الحقل الطبيعي الذي نشأ فيه.
الحقيقة التي يعرفها أهل السمع جيدًا، أن نقولا الأسطا قد لا يكون الأكثر انتشارًا عربيًا، لكنه من أكبر الأصوات اللبنانية وأكثرها صدقًا وندرة. قيمة هذا الفنان ليست وليدة ضجة إعلامية ولا موسمية، بل نتيجة موهبة صافية وعمل طويل واحترام لفنّه. وهذه شهادة أقولها بثقة ومسؤولية، لأن من يستمع إليه يدرك أنه أمام صوت مدرّب، ممسوك، وواعٍ لكل تفصيل صغير في الأداء.
إعجابي كمستمع بنقولا الأسطا ليس جديدًا. فمنذ ظهوره في برنامج “ستوديو الفن” مؤديًا رائعة الأخوين رحباني التي غنّاها وديع الصافي “رح حلّفك بالغصن يا عصفور”، التي كتب كلماتها الشاعر ميشال طراد، ظهرت ملامح فنان حقيقي يعرف كيف يبني حضوره بصوته قبل أي شيء آخر. تلك اللحظة كانت وعدًا، والسنوات التي تلت أثبتت أن الوعد قد تحقّق.
من هنا، تأتي الدعوة الصريحة التي أرفعها بكل وضوح: على رئيسة الكونسرفاتوار، الدكتورة هبة القواس، أن تمنح هذا الصوت المساحة التي يستحقها، وأن تنظّم له أمسية خاصة مع فرقة الموسيقى العربية في الكونسرفاتوار بقيادة المايسترو أندريه الحاج، على أن تُسجّل كوثيقة فنية ويعرضها تلفزيون لبنان. ليس تكريمًا فحسب، بل حفاظًا لذاكرة الغناء اللبناني الراقي.
نقولا الأسطا ليس مجرد مطرب؛ هو صفحة مشرقة في سجل الطرب اللبناني الأصيل. صوتٌ لا يتكرّر، ويستحق كل تقدير واهتمام.


