أخبار محلية

لبنان والـ #10yearschallenge: إنه تشوّه غير خلقي!

لبنان أيضاً يخوض تحدي العشر سنوات، بسواعد أبنائه. لم يكتف هؤلاء بنبش صورهم الشخصية لمقارنتها مع أخرى حديثة، ضمن ظاهرة الـ 10 years challenge” التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي حول العالم، بل أرادوا إشراك بلدهم فيها، فكانت الصدمة.
ينشر أحدهم صورتيه ويفاخر بالنتيجة التي أظهرها هذا التحدي الافتراضي: لقد خسر نصف شعره، وتسلل بعض التجاعيد إلى الوجه. أما “الكرش” فهو ضيفٌ جديد. ليس هناك ما يزعج في هذا التحوّل. العمر غفلة، وهذه الحياة حلوة، تستحق أن تُعاش.

الغالبية، تقريباً، سعيدة. تروقها لعبة المقارنة هذه. لكن عندما تبدأ عمليات التنقيب في ألبوم صور لبنان، يتوقف الجميع عن الضحك.

لبنان في قبضة روّاد السوشيل ميديا، رجلٌ بشع في العام 2019. لم يكن قبل عشر سنوات، شاباً وسيماً وضحوكاً ومرهقاً. لكنه لم يكن على ما هو عليه اليوم من بشاعة وتعاسة وتعب. من قبل، كان لبنان يقاوم البؤس الذي زجوّه فيه. كان، على الأقلّ، يحاول. كان يخجل من صورة فوتوغرافية قبيحة تُلتقط له بعدسة غيّور ومحب عاتب. اليوم، تنتشر صوره الفضائحية على شرفات العار، فلا يخجل.
“يبدع” اللبنانيون وهم يحوّلون التحدي الافتراضي “المهضوم” رمحاً يطلقونه لتحرير وجعهم وغضبهم. هنا من ينشر صورة لـ “عواميد الزوق” في العام 2009 وإلى جانبها الصورة نفسها والعواميد ذاتها في العام 2019. لم يتغيّر دخان الموت ولا رائحة الفساد والإهمال.
الحفاظ على الوجه نفسه، ليس إيجابيا دائماً، ولا جمالاً عنيداً. إنه أيضاً نوعٌ من التراجع والاهتراء.
عقدٌ من الزمن، لم يُغيّر واقع المرأة اللبنانية المرير في ظلّ منظومة حكم الطوائف والذكورية والفزاعات. من قبل، لم تستطع المرأة اللبنانية المتزوجة من أجنبي منح أولادها الجنسية…ولا تزال.
منذ عقد، كان التلوّث في البحر والبرّ والجوّ، وظلّ مقيماً دائماً.
منذ عقد، كانت الحكومات تتشكّل بعد عناء ومحن وزعل وزغل وفراغ، واليوم، لا تتشكّل الحكومات إلا بعد كلّ ذلك.
منذ عقد، كانت “مانشيتات” الجرائد تدعو إلى اليأس. الآن، كلّ الأخبار تدفع الناس إلى حبوب الإكتئاب.
منذ عقد، كان بعض الشعب ينتمي إلى زعيم أو رئيس حزب أو رجل دين، لا إلى وطن. اليوم أيضاً، يؤله هذا البعض أولئك الزعماء والرؤساء والحكام، على رغم كلّ الإخفاقات وكلّ النحر الذي طاول رقبة الوطن.
منذ عقد، كان السادة في الحكم يتقاسمون الدولة. هذه الأخيرة ما زالت قطعة جبنة “روكفور”.
في صور أخرى، يتغيّر المشهد، ولا تتبدل الخلاصة.
قبل عشر سنوات، كان الدين العام في لبنان 48 مليار دولار، فأصبح اليوم 84 مليار دولار. إنها صورة تنشرها حملة “طلعت ريحتكم” لفضح تغيّر الملامح.
هناك من ينبش من الأرشيف صورة لشاطئ في لبنان. لم يكن كشواطئ قبرص أو المالديف. كان مقبولاً. اليوم، تُظهر صورة العام الحالي تشوّهاً فاضحاً. هذا تشوّه غير خلقي طبعاً…وهنا الوجع.
من جملة الفضائح أيضاً، واقع الكهرباء بين الأمس واليوم. صار لبنان أقلّ وهجاً، بخلاف المنطق والبديهيات. تتقدّم الدول وتتطوّر، لكن هنا، لا يتطوّر إلا الهدر والفساد والإهمال. عجز الكهرباء تضاعف، والناس في ظلمة.
تتواتر الصور والمقارنات، والصرخة واحدة.
لبنان اليوم يُشبه نفسه، ولا يشبهه. المشكلة أنه، في الحالتين، قبيح. بل مشوّه. والتشوّه ليس خلقياً، بل متعمداً وطارئاً. المشكلة الأكبر أن لبنان لم يضع نفسه تحت مشرط جرّاح تجميل. بل عقد صداقة مع القبح. التشوّه، عند الإنسان، ليس عيباً. ولا القبح. لكنهما، إن أصابا وطناً، ولم يثر، أردياه.
بالأمس القريب، تداول اللبنانيون، بحرقة قلب، مقتطفات من كتاب “قصتي…50 قصة في خمسين عاماً”، حيث يقول حاكم دبي ورئيس مجلس وزراء دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن راشد عن بيروت:”حلم تردد في ذهني أن تكون دبي كبيروت يوماً ما”. يكتشفون أنّ الصور التي يخرجونها من “جارور” الماضي ليقارنوها بتلك المنتشرة على رفوف الحاضر، هي أيضاً قبيحة. هناك، في “تتخيتة” لبنان الحلم، كانت الصور من ذهب. ماذا لو كان التحدي يتخطى السنوات العشر؟ ستكون الصدمة أكبر. ويكون الوجع أكبر. آنذاك، حين كانت بيروت، أي لبنان بالمختصر المفيد، أحلى من دبي التي يتمنى شعب هذا البلد أن يعيش فيها ويلجأ إليها متى أراد عطلة سياحية ممتازة. آنذاك، حين كانتبيروت، ستّ الدنيا، وكان لبنان إنساناً. وكان لبنان كلمة. وكان نغمة. وفناً. وعشقاً. وأدباً. وسينما. وقطاراً. وينابيع متدفقة. وطفلاً يركض خلف طائرة ورقية. ومساحات خضراء. وتاريخاً غير مسجون بكتاب. وأفقاً مشرقاً. وسياسيين غير أنانيين.
الآن، والجميع “يفلفش” الصور، يتضح أن الحنين ليس دائماً لذيذا. بل هو قابل لأن يصبح علقماً. والحنين أمام هذا الواقع، تحسّر وخيبة ووجع.
من الأجدى ربما، أن نكتفي، كلبنانيين، بخوض التحدي الفايسبوكي مستخدمين صورنا الشخصية وحيواتنا. أما لبنان، فلم يعد ينقذه “نق” افتراضي ولا نكات وإبداعات محصورة بشبكة الانترنت. علينا أن نغيّر الصورة. أن نجملّها. المعضلة، أن هذا الإجراء يستحيل تحقيقه بالأدوات والخيارات المتوافرة أمامنا على “السوشيل ميديا” والتطبيقات. لا “فلتر” ولا “بوميرانغ” ولا مؤثرات ولا تعديلات…يمكن أن يحقق الهدف. أيها الشعب، الصورة قد لا تتغيّر إلا بارتكاب الأمل، فالثورة.
إنها الدواء الذي يمحو التشوّه. فاتركوا عوالمكم الافتراضية كي يبقى للبنان، عشر سنوات أخرى، وأكثر

ربيكا سليمان

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى