Uncategorized

العقل السياسي اللبناني المتأرجح بين نماذج القائمقاميتين والمتصرفية والانتداب

د.ميلاد السبعلي

العقل السياسي اللبناني المتأرجح بين نماذج القائمقاميتين والمتصرفية والانتداب

 

ثلاثة نماذج حكم نشأ عليه العقل السياسي اللبناني، وعلى ما يبدو، بقي أسيراً لها، يتأرجح فيما بينها، لأكثر من قرن مضى.

 

القائمقاميتين (1840-1860): عندما يتخاصم اللبنانيون، الى حد عدم القدرة على تحمل بعضهم، يفضلون اقتسام البلاد فيما بنيهم، على طريقة حكم القائمقاميتين، والذي انتهى بالمجازر بين المنطقتين.

 

المتصرفية (1860-1918): بعد كل مشكل تتدخل الدول الأجنبية، التي ترعى كل منها طرفاً داخلياً، لفرض حل-تسوية بين الأطراف، قائمة على توازنات معينة، داخلية وخارجية، تستمر باستمرار الواقع المتوازن التي قامت عليه، ووجود رعاية خارجية تضمن عدم تعدي فريق على آخر.

 

الانتداب (1920-1943): عندما يربح أحد الأطراف الخارجية، لأسباب معينة خارجة عن إرادة الشعب، وصاية مؤقتة على لبنان. فيركب نظام يكون لجماعته في الداخل الحصص الأكبر في السلطة، ويخبت الآخرون، الى حين تتغير الظروف، ويعيدون قلب الطاولة، للعودة الى المتصرفية، أو الى القائمقاميتين.

 

وأحياناً نقول أن البعض يفضّل العودة الى لبنان الصغير في جبل لبنان، بدل لبنان الكبير الذي خططه وأعلنه الجنرال غورو في 1920. ولكن حتى في لبنان الصغير، لا يملك العقل السياسي اللبناني نموذجاً حديثاً للحكم. حيث أن نظامي القائمقاميتين والمتصرفية لم يكونا مطبقين في لبنان الكبير بل في جبل لبنان. فمطالب الفدرلة والتقسيم هي في أحسن أحوالها مطالبة بنظام متصرفية برعاية خارجية للتوفقات الداخلية المؤقتة، التي يغلّفها التكاذب والتغني الزائف بالعيش المشترك والوحدة الوطنية، أو مطالبة بنظام قائمقاميتين يحمي كل منها رعاة خارجيون لفترة معينة، حتى ضمن لبنان الصغير.

 

وإذا درسنا مراحل ما بعد 1943، نرى أنها لم تخرج عن منطق الحالات الثلاث أعلاه، برغم الأشكال المتخلفة. في 1943، كان للجنرال البريطاني سبيرز في بيروت دوراً أساسياً في انهاء الانتداب الفرنسي، الذي كانت بلاده محتلة من الألمان، وبدء مرحلة نفوذ بريطاني، امتدت حتى منتصف الخمسينيات، حيث حل النفوذ الأميركي مكان النفوذ البريطاني في المنطقة، بالتفاهم مع عبد الناصر، خاصة بعد سطوع نجمه إبان حرب السويس 1956.

 

وكانت مرحلة 1943-1958 أشبه بنظام انتداب بريطاني، الغلبة فيها، سلمياً، للجماعة المسيحية المتحالفة مع بريطانيا والتي كان يمثلها بشارة الخوري أولاً متحالفاً مع رياض الصلح، وبعدها كميل شمعون، مع خفوت النفوذ السني مع اغتيال الصلح. فما أن صعد النفوذ الناصري، خاصة بعد الوحدة المصرية السورية في شباط 1958، حتى انتفض “المكوّن” الآخر على الستاتيكو المفروض من البريطانيين، وعادوا الى منطق القائمقاميتين فكانت حرب 1958 التي انطلقت في أيار.

 

ركبت بعدها تسوية أميركية ناصرية جاءت بفؤاد شهاب رئيساً. فكان نظاماً اشبه بالنظام الانتدابي، الذي اقصى جماعة شمعون وضيّق على الأحزاب القومية والشيوعية، وسار في ركبه آخرون، مرحلياً. وكانت مرحلة شبه انتداب ناصري أميركي بوجوه محلية.

 

استمر الوضع على ما هو عليه الى أن انقلب اليمين اللبناني على الناصرية بعد هزيمة 1967، وتحديداً في انتخابات 1968. بينما استمر النفوذ في فرض وجهة نظره، من خلال اتفاقية القاهرة 1969، وحدث الانقلاب الحقيقي بفارق صوت واحد في الانتخابات الرئاسية – 1970. توفي بعدها عبد الناصر وتغيرت مرجعيات الفريق الآخر في لبنان. وعندما استقوى اليمين المسيحي اللبناني بالغرب وبالانتعاش الاقتصادي، واستقوى الفريق المحمدي واليساري بالثورة الفلسطينية والمدّ العربي، عدنا الى منطق القائمقاميتين، فانقسم لبنان الى شرقية وغربية، في حرب أهلية استمرت من 1975 الى 1990.

 

بعد الحرب، ومع التغيرات الجيوسياسية في المنطقة، تم تلزيم الشام بإعادة بناء المنظومة السياسية بعد الحرب وتوحيد البلد. فذهبنا الى النموذج الانتدابي، الذي اتقنه آباء وأجداد سياسيو التسعينيات، سابقاً مع الفرنسيين. فكرروا نفس السلوكيات من التبعية وتأمين المصالح والتسابق على استرضاء المفوض السامي. فيما أقصي فريق من السياسيين المسيحيين مرحلياً، في المنافي أو في السجون.

 

ومع التغيرات الدولية، والتذمّر المحلي من ممارسات الانتداب الجديد، الشامي هذه المرة، بدأ التململ يضرب عدداً من حلفاء هذا الانتداب، إضافة الى المبعدين من خصومه. فكان الـ 1559، وكان التمديد للرئيس لحود، ثم اغتيال الحريري. فعدنا لفترة الى منطق القائمقاميتين: 8 و14 أذار 2005، خاصة إبان انسحاب الجيش السوري وتغير الموازين الداخلية. بعدها مر البلد بمرحلة من الفوضى نوعاً ما، حاولت إسرائيل الدخول على الخط وتغيير موازين القوى في حرب 2006، ولم تنجح.

 

وبقيت مرحلة تشبه مرحلة المتصرفية دون رأس خارجية. الى أن اصطدم الفريقان مجدداً في 7 أيار، وكان الحسم سريعا، مما أدى الى شرعنة نظام متصرفية مؤقت، راعيته قطر مع مظلة اقليمية ودولية.

 

لكن التغييرات السياسية كانت أسرع، مع ما سمي بالربيع العربي، فبقينا في مرحلة تأرجح بين نظام متصرفية لا رأس خارجية واحدة تحكمه، وبين نظام قائمقامية مقنّعة على البارد، بين فريقي 8 و14 آذار.

 

بعد ذلك، في 2016، كانت هناك محاولة لتسوية جديدة على طريقة المتصرفية، برعاية أميركية (ديمقراطية) إيرانية وعدم ممانعة سعودية سورية، وهي اتفاق عون – الحريري. لكن هذا الاتفاق فقد غطاءه الدولي بعد أسبوعين من بدايته، من خلال فوز ترامب في الرئاسة الأميركية وانقلابه على كل اتفاقات الديمقراطيين مع إيران. فعدنا الى مرحلة انعدام وزن وحصار، وعاد منطق القائمقاميتين، على قاعدة من هو مع إيران وسلاح حزب الله، ومن هو ضده.

 

الرئاسة الحالية

 

في هذه الأجواء، جاء موعد الاستحقاق الرئاسي الحالي، على ضوء رفع دوز المواجهة وتحميل سلاح حزب الله كل مشاكل البلاد من قبل الطرف المتحالف مع الغرب والخليج، وبالمقابل، تحميل الحصار والأمريكان مسؤولية كل ما حصل من أزمات من قبل الفريق الاخر. مع تغاضي الفريقين عن الهدر والسرقات والمصارف والسياسات الداخلية الفاشلة، والتي كان معظم الأطراف في جهتي الصراع جزءاً منها في مرحلة من المراحل.

 

في مرحلة القائمقاميتين المقنّعة هذه، بدأنا نسمع بدعوات الفدرلة والتقسيم، والتمييز بين الـ “نحن” والـ “هم”، وبين ثقافة الحياة وثقافة الموت من جهة، فيما الفريق الاخر يردّ بالتمييز بين لغة الكرامة والمقاومة والعزة مقابل الانقياد للغرب والتبعية والتنازل عن السيادة. والنتيجة واحدة: إن لم تجدوا تسوية محلية-دولية مؤقتة، فدعونا نعود الى نظام قائمقاميتين معلن، بدل النظام الحالي المبطّن.

 

في هذا الواقع النفسي الاجتماعي السياسي، بدأت معركة الرئاسة اللبنانية الحالية. تخربطت الحسابات الداخلية نتيجة مواقف التيار الوطني الحر، الذي لم يماشِ حليفه حزب الله بالقبول بالمرشح سليمان فرنجية، مما عطّل القدرة على ايصاله داخلياً، وصار لزاماً انتظار تسوية خارجية.

 

وفي نظام القائمقاميتين المقنّع، صار هناك تماهي في العقد الماضي، بين مؤيدي الغرب، ومؤيدي الدول العربية الخليجية، وخاصة المملكة العربية السعودية، على اعتبار تماهي مواقف المملكة مع الغرب. وهذا ما جعل الأمور تبدو مريحة للفريق المناوئ لحزب الله.

 

وفجأة سمع الجميع باتفاق سعودي – إيراني برعاية صينية. امتعض الأميركي، وغضب الإسرائيلي. وكان قد سبق ذلك قرارات جريئة اتخذها ولي العهد السعودي، بالخروج من العباءة الأميركية التي كانت المملكة تستظلها منذ الحرب العالمية الثانية. فكانت قراراته في اوبيك+ منافية للطلبات الأميركية، وأقرب للموقف الروسي. وكذلك انفتاحه الكبير على الصين، بعد أن حاولت الإدارة الأميركية محاصرته وتوريطه.

 

هذا التطور الجيوسياسي، يعيد تشكيل وجه المنطقة وتوزيع النفوذ فيها بلا شك للعقد القادم، إذا ما تسنى له فترة كافية للتطبيق. ويعيد بناء ثقل استراتيجي عربي في المنطقة بعد أن كانت السيطرة تتقاسمها إيران وتركيا وكيان العدو. وهذا يستتبع إعادة تشكيل حلف عربي يضم الى السعودية ودول الخليج، سورية والعراق، ومصر، وربما الجزائر أو المغرب.

 

فما هي انعكاسات ما يجري على القبائل السياسية الطائفية اللبنانية المتحالفة والمتخاصمة، والتي تغيّر اصطفافاتها مع تغيير تحالفات الرعاة الخارجيين؟

 

وإذا اعتبرنا أن هذا التفاهم الجديد، قد ينعكس على شكل الحكم في لبنان، فهذا يستتبع تسوية بين حلفاء إيران وحلفاء السعودية، فيما من يبقى خارج هذه التسوية ينتقل الى صفوف المعارضة وينتظر… ولكن بوجود التمايز السعودي الأميركي، يفترض إعادة الفصل بين من هو مع السعودية عمن هو مع أميركا. فأين سيصطف في هذه الحالة كل من القوات اللبنانية، والكتائب، والمستقبل، والاشتراكي؟ وفي المقابل يتعثر إعلام جماعة الممانعة بالكلمات بعد أن اعتاد شتم السعودية وشيطتنها… فكم ستأخذ الاستدارة معه، خاصة وأنه كان يبشر أن لا اتفاق سعودي إيراني في الأفق.

 

وهل نحن على أبواب مرحلة متصرفية جديدة، أو أن التسوية تكون قوية الى درجة نظام انتدابي جديد، فيما المعارضون له يطالبون بقائمقامية جديدة، بأشكال فدرالية او تقسيمية، تحت شعارات الاختلاف على ثقافة الحياة والحياد؟

 

الى متى سيبقى العقل السياسي اللبناني مصاباً بالعقم، وغير قادر على توليد نموذج حديث للدولة العصرية الديمقراطية الوطنية العلمانية الحرّة، المتكاملة مع محيطها الطبيعي، جيوسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، بدل استمرار التأرجح بين هذه الاشكال البالية المغلقة للنظام السياسي، القائم على الملّة والمذهب والطائفة، التي يختصرها الزعيم الاقطاعي المحلّي، برعاية وتبعية خارجية، وهي أشكال موروثة من بقايا القرن التاسع عشر؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى