
“نحن دخلنا الحرب في الثامن من تشرين الأول”؛ تعبير ما كاد حسن نصرالله ينطق به حتّى علَت الأصوات، المُفترض أنّها سياديّة، رافضةً دخول حرب جديدة مع إسرائيل!! لكنّني لم أفهم لغاية اللحظة أيّ حرب دخلها نصرالله، وأيّ حرب لا يُريدها السياديون.
كيف يكون نصرالله يحارب إسرائيل وهي لغاية الأمس تحذّره من خَوض حرب ضدّها!!!؟
هل باستخدام تعبير “ارتقى شهيدًا على طريق القدس” بدلًا من “سقط قتيلًا في الجنوب” نكون في حرب؟
وهل بالإعلان عن “الردّ بالأسلحة المناسبة” على العدوان الإسرائيلي من دون أيّ ذكر لنتائج هذا “الردّ” نكون في حرب؟
وهل باحتلال أبواق حزب الله الشاشات، وبالإعلان عن انتصارات وهميّة في غزّة وغزّة تحترق بأهلها وأنفاقها، نكون في حرب؟
وهل بفبركة وتركيب أفلام عن عمليات مزعومة للمجاهدين الغزّاويين، وبدفع “المحلّلين” و”الخبراء” إلى الترويج لها نكون في حرب؟
بلسان رسول الله محمد (صلعم) أسألك يا نصرالله: هل يُتيح الإسلام خوض معارك عبثيّة، وخاسرة، يسقط فيها مئات الشباب المُسلمين من دون تحقيق إصابات تُذكر في صفوف العدو؟
وبلسان الخميني أسألك: هل يجوز للمقاومة انتحار خيرة أشبالها من دون تكبيد العدو خسائر في الأرواح مضاعفة؟
أنت يا حسن نصرالله، والحقيقة يجب أن تُقال، تخوضُ “حربًا” هي أشبه بالهزل والمُزاح ضد إسرائيل، بينما حربك الحقيقيّة هي ضدّ لبنان واللبنانيين، وقد رأينا نتائجها منذ إطلالتك الأولى بعد بدء حرب غزّة، وهي التالية:
سيطرة مُطلقة وسريعة، سواء بضخ الأموال أو بهزّ العصا، على كلّ وسائل الإعلام اللبنانيّة من خلال فرض حضور الناطقين باسمك عبرها، ورسم خطوط حمراء لأصحاب الآراء المناهضة لأفعالك المدمِّرة.
حجب كلّ روايات الطرف المعادي لحزبك ولحماس بهدف التعتيم على الحقائق وإدخالنا في عالم الأوهام.
الترهيب والتخويف بتُهم العمالة لكلّ مَن لا يتضامن مع إجرام حماس في السابع من أكتوبر.
جرّ الجميع، وسائل إعلام ومواطنين، إلى استخدام مفرداتك الذهنيّة مثل “ارتقاء”، “فلسطين المُحتلة”، “العدو الصهيوني”، “تحرير القدس”، ….الخ.
استخدام عملائك المحليين، لاسيّما المسيحيين منهم، لإشغال المعارضة والسياديين بمطالب تُظهرهم أقوياء وفاعلين، بينما في الحقيقة هي تخدُم أهدافك البعيدة لإحكام سيطرتك على لبنان ولإخراجك من عنق الزجاجة الذي أنت فيه.
النقاط الأربع الأولى أعلاه هي بديهيّة في بلد محتلّ، وهي تؤكّد أنّ بلدنا محتلّ من حزب الله، ولا ريب أنّها ستزول مع زوال هذا الاحتلال، امّا النقطة الأخيرة فهي الأخطر وسأتوقّف عندها للحدّ من الأضرار التي قد تأتي بها على اللبنانيين “زحطات” المعارضين والسياديين؛
هم يُطالبون بعدم الدخول في حرب غير محمودة النتائج مع إسرائيل، وبذلك هم يخدمون حزب الله ويحمونه من أيّ حرب ضدّه لأنّه عاجز عن الصمود في وجه آلة الدمار الإسرائيليّة، ولأنّه لا يحتمل تدميرًا جديدًا للبنان بعد دمار الـ 2006 الإلهي. لذا، كان حريٌّ بالمعارضين والسياديين ان يجاهروا “اليوم اليوم وليس غدًا” بنزع سلاح حزب الله ومحاسبته على كلّ جرائمه السابقة.
وهم يُطالبون بتطبيق القرار 1701، ومنهم مَن يُطالب بتطبيق جزئي للقرار 1559 في الجنوب اللبناني، لكن مَن يقرأ مليًّا مواقف الدول الفاعلة في تحديد مستقبل الشرق الأوسط، يُدرك تمام الإدراك أنّه متّى تحقّقت سلامة سكان المستوطنات الشماليّة الإسرائيليّة، ستتوقّف هذه الدول عن متابعة تطبيق القرارات وسيبقى السلاح وهيمنة حزب الله على رؤوسنا في الداخل، وسيتابع اللبنانيون بعدها الخروج من التاريخ.
وهم محسوبون علينا برلمانيون ومعارضون وسياديون، وهم مَن تكلّمهم دول القرار، لكن مَن يحمل هذه الصفة لبنانيًّا، عليه أن يلمّ بأمور حساسة ومفصليّة في مستقبل بلدنا، ألا أهمّها:
ألّا يتضامن مع القضيّة الفلسطينيّة وهذه القضيّة أوصلت بلدنا إلى الدرك الذي نحن فيه، وخصوصًا أنّ في لبنان مَن يُطالب بالحياد!
وألّا يدّعي الإنسانيّة والتضامن مع أهل غزّة بينما الفلسطينيون لهم وجهات نظر مختلفة حول غزّة، وحماس نفسها يهمّها مَن يعيشون في الأنفاق ولا يعنيها مصير مَن يعيشون فوق الأرض من شعبها وتفتك بهم إسرائيل!
وألّا يخجل من أنّ الحرب على غزّة بدأت في 7 أكتوبر وليس في الثامن منه!
وأن يمتنع عن ذكر أكذوبة “فلسطين المحتلّة” لأنّ فلسطين ليست محتلّة، وهذا كلام موجّه للمسيحيين اللبنانيين تحديدًا، إذ يكفيهم أن يقرأوا انجيلهم الذي لا ذكر فيه لمدينة اسمها “القدس” ولا لأرض اسمها فلسطين. وليمتنع المسيحيون أقلّه عن ذكر “العدو الصهيوني” كي لا ننسى أنّ عدوّنا الحقيقي كان الفلسطيني والسوري.
باختصار،
كما تسير الأمور اليوم لا تبشّر بالخير؛ في وقت قريب سيخرج حسن نصرالله بخطاب إلهي يقول: “أنتم مَن لا يريدني أن أحارب، وأنا ردعت إسرائيل ومنعتها من الاعتداء على لبنان، ومن أجل ذلك خسرت مئات “الشهداء”، ويبقى سلاحي مقدّسًا وسأقطع اليد التي ستمتدّ إليه”.
أمّا أنا، وعلى طريقة الممانعين، فسأستبق الرد على هذا الكلام المتوقّع من نصرالله، لا بل المؤكّد، بالقول: أنتَ مدّعي ومتعجرف، الآخرون جبناء خانعون لا يجرؤون على دحض هلوساتك، أنتَ لم تحارب عنّا ولم نطلب منك حمايتنا، والحرب لا تُدار من الأقبية “والحرب ما هو بالنظر الشيخ يرخي عْنانْها”.
آه، كدتُ أنسى، أين الفدراليون لم نعد نسمع لهم صوتًا والوقت أكثر من مناسب اليوم لطرحهم!؟ أنا فعلًا أفتقدهم، أفتقد صداحهم “الفدراليّة حتمًا” كلّما عطس أحدهم في لبنان!! وأين المعوربون!؟ أراهم اليوم يُطالبون بالقرارات الدوليّة وكأنّ انتماء لبنان إلى محيطه العربي لم يعد يُفيدهم!!
صدقت صديقتي السفيرة حين قالت عن هؤلاء أنّهم “صنّاع ضوضاء” وليسوا صنّاع رأي عام. ربّما أنا أتجنّى عليهم لأنّه تنامى إليّ أنّ الفدراليين والمعوربين انتقلوا إلى غزّة للنضال إلى جانب المجاهدين الإسلاميين، فعسى أن يبقوا هناك لإدارة غزّة الجديدة ويدَعوا لبنان من شرورهم.



