
تتواصل حرب الاستنزاف على طرفي الحدود الجنوبية، في ظل سيناريوهات متضاربة حول احتمال حصول تصعيد أوسع، في ظل مواصلة إسرائيل حربها التدميرية والنفسية، وآخر فصول هذه الحرب خرق الطيران الحربي الإسرائيلي جدار الصوت، قبيل منتصف ليل السبت الأحد، حيث سُمع دويّه في مناطق بعيدة عن ساحة المواجهات، وتمكّن سكان كسروان والمتن والبقاع الغربي وبيروت من سماع دوي جدار الصوت على دفعتين.
واستأنف جيش الاحتلال عدوانه صباح الأحد، إذ شنت الطائرات غارة على منزل في بلدة حولا، مخلّفة دمارًا كبيرًا، ما أسفر عن استشهاد ثلاثة عناصر من “حزب الله”.
وقد عمدت السلطات الإسرائيلية إلى اتخاذ تدابير احترازية خوفاً من رد “حزب الله”، فطلبت من جميع المقيمين في مستوطنة معيان باروخ في الشمال البقاء قرب الغرف المحصنة.
وتحدثت وسائل إعلام إسرائيلية “عن استعدادات في إسرائيل لصليات صواريخ، بعد الهجوم الأخير على بلدة حولا”.
ونعى “حزب الله” الشهيد نصرات حسين شقير “جواد”، مواليد عام 1975، من بلدة الصوانة، كما نعى الشهيد جلال علي ضاهر “مزة”، مواليد 1976، من بلدة حولا، والشهيد حسين محمد سويدان “هلال”، مواليد عام 1990، من بلدة عدشيت القصير.
ورداً على الغارات المعادية، استهدف حزب الله مقر قيادة كتيبة السهل في ثكنة بيت هلل بصاروخ “فلق” ما أدى إلى تدمير جزء منه وإيقاع اصابات مؤكدة، كما هاجم مبنى يستخدمه جنود الاحتلال في مستعمرة المطلة ما أدى إلى اندلاع حريق. ونفّذ الحزب هجوماً بسرب من المسيرات الانقضاضية على مقر كتائب المدرعات التابعة للواء 188 في ثكنة راوية وحقق اصابات مؤكدة، واستهدف المشغل العسكري التابع لثكنة بيت هلل ومرابض مدفعية في “خربة ماعر”. وتحدث الإعلام الإسرائيلي عن اصابة 9 جنود جراء انفجار مسيّرة في الجولان.
جدار الصوت
وكان جيش الاحتلال أفاد أن طائراته الحربية هاجمت، خلال الليل، بنية تحتية عملياتية وعسكرية تابعة لــ “حزب الله” في منطقتي الطيبة ورب ثلاثين في جنوب لبنان. وقال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إن “لا مفر من حرب حاسمة وسريعة مع حزب الله”، مضيفاً: “لا أستخف بالثمن المتوقع لحرب لبنان، لكن أي ثمن ندفعه اليوم سيكون أقل بكثير مما سندفعه إن لم نتحرك”.
كذلك، رد وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس على التلويح الإيراني “باندلاع حرب إبادة إذا شرعت إسرائيل في عدوان عسكري شامل على لبنان، فكتب على منصة “أكس”: “الرسالة التي بعثت بها إيران، في ما يتعلق بشن “حرب إبادة”، تجعلها تستحق التدمير”.
وتابع: “النظام الذي يهدد بالتدمير يستحق التدمير”.
وقد توالت التحذيرات التي توجهها سفارات دول غربية وعربية إلى رعاياها لحثها على مغادرة لبنان، وتجنّب السفر اليه، وآخرها من السفارة السعودية، التي نشرت تنبيهاً جاء فيه: “تتابع سفارة المملكة العربية السعودية لدى جمهورية لبنان عن كثب تطورات الأحداث الجارية جنوب لبنان، وتؤكد على دعوتها السابقة لجميع المواطنين السعوديين إلى التقيد بقرار منع السفر إلى لبنان”.
على خط الاتصالات، كشفت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية أن الولايات المتحدة طلبت من قطر المساعدة والتوسط في حل الصراع بين “حزب الله” وإسرائيل. ولفتت إلى أنه “في حالة حدوث وقف مؤقت لإطلاق النار في قطاع غزة، فإن الحزب مستعد للالتزام به أيضاً، كما حدث بالفعل في تشرين الثاني/نوفمبر، خلال فترة وقف إطلاق النار في غزة لمدة أسبوع، ومع ذلك فإن “حزب الله” لن يوافق على اتفاق أوسع حتى تنتهي الحرب في غزة تماماً”.
ميقاتي في الجنوب
في غضون ذلك، قام رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بزيارة، هي الأولى له إلى جنوب لبنان منذ اندلاع المواجهات. وتركزت الجولة على منطقة صور، وشملت مقر قيادة قطاع جنوب الليطاني في الجيش اللبناني، ومراكز الامتحانات الرسمية، وغرفة الطوارئ الصحية. وأكد ميقاتي أن “الجيش هو السند ودرع الوطن وسياجه”، وشدد “على تمسك لبنان بالقرار 1701″، آملاً في “عدم توسع الحرب في جنوب لبنان”، وقال: “نتمنى في هذا الظرف الصعب أن تمر الأمور بخير”، مضيفاً: “نحنُ دعاة سلم، وعلى إسرائيل أن توقف اعتداءاتها المتكررة على لبنان”، معتبراً أن “التهديدات التي نشهدها هي نوع من الحرب النفسية، والسؤال الذي يتردد على كل الألسن: هل هناك حرب؟ نعم، نحن في حالة حرب، وهناك عدد كبير من الشهداء من مدنيين وغير مدنيين، والعديد من القرى المدمرة بسبب العدوان الإسرائيلي”.
وكان لافتاً موقف للأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية حسام زكي، غداة زيارته لبيروت، أكد فيه أن “الجامعة لم تعد تصنف “حزب الله” كمنظمة إرهابية، بعد القرارات السابقة للجامعة التي تضمنت وصف الحزب بالإرهابي، ما أدى إلى قطع التواصل معه”.
ومن جهته، ردّ نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب على “المتحاملين على المقاومة التي تحمي لبنان وسيادته وشرفه وكرامته”، وقال: “المقاومة لم تنشأ على حساب الدولة وعلى حساب مؤسسات الدولة التي لو كانت موجودة لما احتجنا أن نحمل هذا العبء وحدنا في الدفاع عن لبنان، وإن عدم وجود دولة، وفشل القوى السياسية، وخصوصاً الذين تحملوا المسؤولية في ما مضى، فشلوا في بناء الدولة وتركوا جنوب لبنان والبقاع الغربي وكل لبنان مباحاً أمام العدو الإسرائيلي، ليستبيحه في الليل والنهار، لذلك نشأت المقاومة، لأن الدولة غير موجودة، والمقاومة لم تأخذ محل الدولة، والمقاومة ليست دولة، أو ودويلة، كما يسميها البعض، في مقابل الدولة، بل المقاومة عبارة عن هذا الشعب، عن اللبنانيين، وعن أهالي القرى التي تتعرض للعدوان الإسرائيلي”.
توضيح السنيورة
وقد رأى الرئيس فؤاد السنيورة في موقف الجامعة العربية “هدية مجانية” لـ “حزب الله”، وقال: “ليس لدى الجامعة العربية لائحة لتصنف فيها مؤسسات أو أحزاباً كمنظمات إرهابية، وهي عمدت لاستخدام هذا التعبير منذ فترة ودرجت عليه، وربما هناك حاجة لإعادة النظر في هذا التصنيف. ولكن كان من الأفضل لو جرى التوقف عن إسداء الهدايا المجانية لـ “حزب الله”، أو كان من الممكن النظر في هذا الأمر لقاء إنجاز يتحقق لمصلحة لبنان والأمن والسلم، وأضاف: “لا أدري إن كانت هناك مفاوضات تجري تحت الطاولة، ويكون هذا الأمر من الأشياء التي جرى الاتفاق عليها”.
وقد أثار موقف السنيورة غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، ما اضطر مكتبه الإعلامي للتوضيح أن “بعض وسائل الإعلام تستخدم كلاماً ليس دقيقاً ولا صحيحاً عن لسان الرئيس السنيورة بخصوص موقفه من قرار الجامعة العربية رفع اسم “حزب الله” عن لوائح الإرهاب”.
وأكد البيان أن “حزب الله ممثل في الحكومة وفي مجلس النواب، وفي لبنان ليس لدينا هكذا موقف، والأيام ستثبت، وحسب التجربة، إذا ما كان هذا القرار للجامعة العربية متسرعاً أو صحيحاً”.
وبخصوص المواجهة في الجنوب، قال مكتب السنيورة: “المشكلة لدى إسرائيل، إذ إن هناك عدداً من القياديين في إسرائيل من أصحاب الرؤوس الحامية، ونتنياهو لديه مصلحة في أن تستمر وتتوسع الحرب لكي يفلت من العقاب الداخلي. كما أننا لا نثق أن إسرائيل ستوقف الحرب في ما لو توقفت في غزة. نحن لا نثق بأن إسرائيل ستلتزم وقف النار، لا نثق بذلك إطلاقاً”.
وختم: “صحيح أن حزب الله يمكنه إلحاق خسائر كبيرة بإسرائيل، لكن علينا أن نسأل ما هي الخسائر التي قد تلحق بلبنان، وهل يستطيع تحملها؟”.
وعلى خط مواز، توجّه النائب اللواء أشرف ريفي إلى “حزب الله” بالقول: “كفى حصاراً لمناطقنا، وكفى استهتاراً بحقوقنا، فلا رئيس للمسيحيين إلا بخياركم، ولا تشكيل للحكومات للسُنَّة في وقتها الطبيعي، ولا حوار أو تشاور مع اللبنانيين الآخرين في قرارات الحرب والسلم. فأي شراكة وطنية هذه؟”.
ونوّه ريفي، في بيان: “بما أعلنه تكرراً وزير السياحة وليد نصار، وكتلة الاعتدال الوطني في الدعوة لفتح مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض في القليعات”.
وقال: “لا توجد دولة في العالم لديها مطار مدني واحد. المطلوب من الحكومة سريعاً فتح مطار الرئيس معوض، وتخطي الفيتو المعروف المصدر الذي يحُول دون ذلك. في الشمال لدينا ما يكفي من المرافق ليعيش أهلنا بعز وكرامة بدل أن يغامروا بأولادهم في زوارق الموت”.
باسيل والرهانات
أما رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل، فأطلق مواقف، خلال جولة له في عكار، فرأى أن “البعض يراهن على الخارج وعلى إمكانية حدوث ضربة أمريكية لإيران، أو ضربة إسرائيل لحزب الله”.
وقال: “في حال ضربت إسرائيل لبنان فهذه كارثة، وليست أمراً يمكن أن نراهن عليه، وإذا لم تضرب يكون رهانه سقط والخسارة ارتفعت وتحلل الدولة زاد”، مشيراً إلى “أن هذه الرهانات كانت في الحرب ولا نقبل بها”.
وأضاف: “يجمعنا الخوف من الحرب مع إسرائيل، وللأسف بعض الناس يدافعون عن إسرائيل ويحمّلون المسؤولية للمقاومة، بدل أن نفكر جميعنا بكيفية مقاومة إسرائيل”، وختم: “الحرب ستكون كارثة، لكن الكارثة أكبر على إسرائيل، وستكون تسريعاً لنهايتها”.



