تحليل السياسات

ما هي السيناريوهات المتوقعة لاستمرار الاحتجاجات في إيران؟

موقع ultrasawt بتول حكيم 

تعيش إيران مؤخرًا حالة من الغليان الداخلي، تتخذ شكل احتجاجات، تدخل أسبوعها الثاني، وتشهد مواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن، تسببت بسقوط عدد من القتلى، وسط تساؤلات حول مثار هذه التحركات، ومدى احتمال تطورها، والسيناريوهات المتوقعة لذلك.

أسباب الاحتجاجات في إيران

عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية الشعبية الأحوازية، “طاهر الأحوازي”، وصف لـ”الترا صوت” ما يجري في عموم الجغرافية الإيرانية بـ”الثورة الشاملة”، التي تعد امتدادًا للثورات السابقة، على خلفية ما جرى ويجري على مدار أربعة عقود، من معاناة الشعب الإيراني، على مختلف الأصعدة الاقتصادية والسياسية والحريات الاجتماعية، ومعاناة الشعوب غير الفارسية المحتلة من النظام في الأخواز وبلوشستان وغيرها، ما جعل التراكمات سببًا لتأجيج الاحتجاجات.

 ما يميز الانتفاضة الحالية هو المطالب التي جاءت بها، فلم تستمد شعاراتها من الواقع الاقتصادي والظروف المعيشية والبنى التحتية المتردية، بل تعدت ذلك للإصرار على إسقاط النظام

وبالنظر للشق الاقتصادي، فمع تنامي ثروات إيران، خاصة في الأحواز المحتلة، التي تغطي أكثر من 80% من دخل إيران من النفط والغاز، يعيش أغلب أهالي المنطقة البالغين حوالي 15 مليون نسمة تحت خط الفقر، إلى جانب الإحصائيات التي تؤكد أن 50% من الشعب الإيراني تحت خط الفقر.

ووفق طاهر الأحوازي، فإن ما يميز الانتفاضة هو المطالب التي جاءت بها، فلم تستمد شعاراتها من الواقع الاقتصادي والظروف المعيشية والبنى التحتية المتردية، بل تعدت ذلك للإصرار على إسقاط النظام، الذي “أحرق الأخضر واليابس”، والمطالبة بالحقوق المدنية والسياسية والقومية والشخصية، وانطلاقها من العاصمة “طهران” والمدينة الروحية “قم”، واشتعالها في المدن الكبرى، وامتدادها لكل المناطق.

الدلالة الزمنية للاحتجاجات

وحول الدلالة الزمنية للاحتجاجات، أرجع “الأحوازي” ذلك لتراكم الممارسات القمعية، والاضطهاد ومصادرة الحريات، وتردي الأوضاع المعيشية، مؤكدًا أن إيران لم تهدأ بشكل عام، والانتفاضات مستمرة فيها لأسباب عديدة، إلا أن النظام “كان يستخدم الميليشيات لردع المتظاهرين سابقًا بالقوة”، أما اليوم لا يزال يمارس “العنتريات” والتسلط لمواجهة واقعه، واستمرار نهجه العدواني تجاه الدول الأخرى أيضا، والتي جعلت الشعب الفارسي منبوذًا من العالم بأسره؛ جراء الإرهاب التي يقوم به النظام عبر أذرعه وميليشياته وخلاياه النائمة في أنحاء العالم، وفقًا لتعبير الأحوازي، وكل ذلك “جعل الشعب يدرك أن الوقت بات مناسبًا لإسقاطه، والعودة بإيران لواقعها المألوف، على الصعيدين الداخلي والخارجي”.

تحول مطالب المحتجين في إيران

الكاتب والصحفي المهتم بالشأن الإيراني “عمار جلو”، أكد لـ”الترا صوت” أن الاحتجاجات السابقة في إيران، وأبرزها “الحركة الخضراء”، التي حملت شعار “أين صوتي”، وانطلقت بسبب تزوير الانتخابات، التي أدت لفوز “محمود أحمدي نجاد” بولاية ثانية عام 2009، كانت المطالب حينها، اقتصادية ومعيشية واجتماعية بحتة، بعيدة كل البعد عن المطالب السياسية.

ولاحقًا ظهر حراك الأحواز الدائم بين 2017 و2019، كان احتجاجًا على الواقع المعيشي المزري، وكان التحول الأكبر في انتفاضة 2022، على خلفية مقتل الشابة “مهسا أميني” على يد الأمن، فبرزت لأول مرة شعارات “الموت للديكتاتور، الموت لخامنئي، إسقاط النظام”، ومع أن الاحتجاجات حينها، نتجت عن مسألة قومية واجتماعية تتعلق بإلزامية الحجاب، إلا أن مطالبها علت لـ”إسقاط النظام” حينها، وكذلك الأمر بالنسبة للاحتجاجات الحالية.

والجذر الأساسي للاحتجاجات الراهنة، انطلق من “البازار”، ففي 28 كانون الأول/ديسمبر 2025، قام بعض تجار “بازار طهران”، بإغلاق محلاتهم، وإيقاف العمل احتجاجًا على انهيار الريال، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، ثم امتدت الاحتجاجات لساحات الجامعات، التي تضم الفئات الأكثر فعالية في تحريك الشارع، والتي تتمثل في الطلاب والكوادر التعليمية، وهي مرتكز أساسي في أي حراك شعبي.

وأشار “جلو” إلى ضرورة الالتفات إلى أن الدولة الأمنية والبوليسية في إيران، لا تزال قوية جدا، حيث يُعدّ الباسيج أحد الأدوات الأساسية، التي تعتمد عليها السلطة، في مواجهة الحركات الاحتجاجية، لما يمتلكه من انتشار واسع، وقدرة على التدخل السريع، وغالبًا ما يُتهم باستخدام العنف ضد المتظاهرين، بالإضافة لاتصالها مع الحرس الثوري، الذي يقوم بتحديث أدواته، إلا أن الشوارع أثبتت قدرتها، على مواجهة الآلات القمعية، التي تستخدمها الديكاتوريات؛ لاقتلاع الأصوات المنادية بإسقاطها، متوقعًا أن ما يجري اليوم في إيران، ليس حدثًا عابرًا، بل أمرًا فارقًا “وفق تعبيره”.

التغيير الحقيقي في إيران يأتي من الخارج

الباحث في العلاقات الدولية الدكتور مهند حافظ أوغلو” قال لـ”ألترا صوت”: “إن المعول عليه، هو استمرار هذه الحركة الشعبية، مرجحًا ألا تحدث التحركات الداخلية فارقًا ملحوظًا، في تغيير الواقع، فـ”نظام الملالي” يشبه إلى حد كبير النظام الفنزويلي والروسي، إذ لا يمكن إحداث تغيير جذري، إلا من خلال تدخل خارجي، لتحويل إيران من دولة دينية إلى مدنية، ولا يمكن أن يتحقق ذلك، إلا بضربة عسكرية، مع ضمان التنسيق غير المعلن، مع الإصلاحيين داخل إيران، وتوفر الجدية والإرادة الحقيقة دوليًا، لإنهاء هذا النظام، حيث شهدت إيران احتجاجات سابقة، ما لبثت أن خمدت نارها.

ولفت “أوغلو” إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي “مادورو” من قبل الولايات المتحدة الأميركية مؤخرًا، وربط ذلك بما يمكن أن يحدث في إيران، مؤكدًا أن “مادورو”، هو الصندوق الأسود لروسيا وإيران، وفتح الصندوق واستخراج المعلومات، يمكن أن يؤدي لمخطط جدي ضد “نظام الملالي”؛ ولكن هذا لن يكون وشيكًا، بل سيتطلب وقتًا، وفقًا لتعبيره.

السيناريوهات المتوقعة لتطور الاحتجاجات

الباحث في العلاقات الدولية الدكتور محمد اليمني، رأى خلال حديثه لـ”الترا صوت” أن السؤال المركزي الذي يفرض نفسه اليوم، يدور حول السيناريوهات المحتملة لتطور الاحتجاجات، في ظل ميزان قوى داخلي معقّد، وأجهزة أمنية شديدة التماسك، ونخبة حاكمة تدرك حجم الخطر، لكنها تختلف في طرق التعامل معه، وهذه السيناريوهات حسب اعتقاده:

أولًا: سيناريو الاحتواء الأمني، وإعادة فرض السيطرة الصلبة، وهو الأكثر ترجيحًا على المدى القصير، استنادًا إلى خبرة النظام الطويلة، في إدارة الأزمات الداخلية، وقدرته العالية على استخدام مزيج من القمع الأمني المنهجي، والضبط المعلوماتي، والتعبئة الأيديولوجية، إلى جانب توظيف الانقسامات الاجتماعية والمناطقية؛ لمنع تشكّل حركة احتجاجية موحدة ذات قيادة مركزية، غير أن هذا السيناريو، رغم نجاحه التكتيكي، يحمل في طياته مخاطر استراتيجية، إذ يؤدي إلى تعميق الفجوة النفسية والسياسية، بين الدولة وشرائح واسعة من المجتمع، خصوصًا فئة الشباب والنساء والطبقة الوسطى المتعلمة، ما يجعل الاحتجاجات أكثر راديكالية في المراحل اللاحقة.

ثانيًا: سيناريو الإصلاح المحدود وامتصاص الغضب الاجتماعي، ويفرض ذلك على النظام، تقديم تنازلات جزئية ومدروسة، لا تمس جوهر السلطة السياسية، أو بنية ولاية الفقيه، لكنها هدفها تخفيف حدة الاحتقان، عبر إجراءات اقتصادية واجتماعية محدودة، كتقديم بعض الدعم الحكومي، أو تخفيف القيود الثقافية بشكل انتقائي، أو إجراء تعديلات شكلية في الخطاب الرسمي، ويقوم هذا المسار على رهان، مفاده أن منطلق الاحتجاجات الأزمات المعيشية، وليس السعي لإسقاط النظام، وبالتالي يمكن احتواء غضب المحتجين، عبر تحسين نسبي في الأوضاع الاقتصادية، أو تقديم “كبش فداء” سياسي أو إداري؛ لتحميله مسؤولية الفشل.

ووفقا لمحمد اليمني” يواجه هذا المسار تحديات بنيوية عميقة، أبرزها أن الأزمة الاقتصادية الإيرانية ليست ظرفية، بل مرتبطة ببنية الاقتصاد الريعي، والعقوبات الدولية، والفساد المؤسسي، وهي عوامل لا يمكن معالجتها بإصلاحات سطحية، كما أن فقدان الثقة المتراكم، يجعل الشارع لا يصدق وعود الإصلاح، ويميل لاعتبارها تكتيكًا مؤقتًا لكسب الوقت.

ثالثًا: سيناريو التصعيد المتدرج، وتحول الاحتجاجات إلى عصيان اجتماعي، إذ تتطور تطور الاحتجاجات من موجات متقطعة، إلى حالة من العصيان الاجتماعي غير المعلن، يتجلى في الإضرابات العمالية، والامتناع عن التعاون مع مؤسسات الدولة، وتوسع الاحتجاجات القطاعية، خصوصًا في قطاعات حيوية مثل النفط والغاز والنقل والتعليم، وتكمن خطورة هذا السيناريو، في أنه لا يعتمد على التظاهر التقليدي فقط، بل على إنهاك الدولة من الداخل، عبر تعطيل مفاصلها الاقتصادية والخدمية، ما يضع النظام أمام معادلة صعبة بين استخدام القمع الواسع، الذي قد يشل الاقتصاد أكثر، أو القبول بخسائر سياسية واقتصادية متراكمة، ومع أن هذا المسار يتطلب مستوى عاليًا من التنظيم والتنسيق، فإن تزايد الخبرة الاحتجاجية، وتناقلها عبر الأجيال، يجعل هذا السيناريو أكثر واقعية على المدى المتوسط، خاصة إذا ترافقت الاحتجاجات، مع أزمات اقتصادية حادة، أو صدمات خارجية مفاجئة.

رابعًا: سيناريو الانقسام داخل النخبة الحاكمة، وهو الأقل احتمالًا، والأكثر تأثيرًا في حال تحققه، إذ يقوم على حدوث تصدعات داخل مراكز القرار، سواء بين التيارات السياسية، أو داخل المؤسسة الدينية، أو بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، نتيجة اختلاف التقديرات، حول كلفة الاستمرار في النهج الحالي، ففي حال تزايدت الضغوط الداخلية والخارجية بشكل غير مسبوق، قد تظهر أصوات داخل النظام، تدعو إلى تسوية سياسية أوسع، أو إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، بما قد يفتح الباب أمام تحولات سياسية أعمق، غير أن هذا السيناريو، يصطدم بطبيعة النظام العقائدية، وبالترابط العضوي بين السلطة السياسية والمؤسسة الأمنية.

وأضاف الباحث في العلاقات الدولية أن القراءة المركبة للمشهد الإيراني، تشير إلى أن الاحتجاجات باتت جزءًا بنيويًا من الواقع السياسي، وليست استثناءً طارئًا، والسيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار سياسة الاحتواء الأمني المدعومة بإصلاحات شكلية، مع بقاء جذور الأزمة دون معالجة حقيقية، ولكن تراكم الأزمات، وتغير المزاج المجتمعي، واتساع الفجوة بين الدولة والأجيال الجديدة، يجعل التحول المفاجئ أمرًا متوقعًا على المدى الطويل.

مستقبل الاحتجاجات في إيران، لن يُحسم فقط في الشارع، بل في قدرة النظام على إعادة تعريف شرعيته، أو فشله في ذلك، ضمن سياق إقليمي ودولي شديد السيولة، حيث بات الاستقرار الظاهري، يخفي تحت سطحه قابلية عالية للانفجار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى