منوعات

ذاكرةٌ شخصيةٌ في وجه سياساتٍ كبرى

كتبت سارة تابب:

الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل، رنّ هاتفي. فكان اتّصالٌ بالصوت والصورة من الولايات المتحدة حيثُ يقطن نصف أفراد عائلتي لجهة أمي. ولأن الذاكرة محمّلةٌ بأحزانٍ ترِدني على هيئة اتصالاتٍ هاتفيةٍ، ردّدتُ البسملة ثلاث مراتٍ قبل أن أجيب.

 

للمفارقة، كنتُ أقرأ النسخة الأخيرة قبل النشر من مقالٍ فراتسيّ يفكّك فيه الباحث محمد جمال مزاعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتيّاره الداعم. ويكشف فيه استناده لتراثٍ طويلٍ من استغلال الدِّين ستاراً للتدخل العسكري الأمريكي في الدول الأخرى، منطلقاً من تهديده بتدخّلٍ عسكريٍّ في نيجيريا – الغنية بالنفط – نصرةً للمسيحيين.

 

أجبتُ الاتصال، وفُتِحَت الصورة على مشهد العشب الأخضر يغطي قطعة الأرض الثمينة التي أملكها في لوس أنجلس حيثُ تغفو أمي منذ عشر سنواتٍ في مدفن “روز هيلز”. أرادت خالاتي وبناتهنَّ زيارتها وأردنَ أن يهبنني زيارةً افتراضيةً مفاجئة.

 

وددتُ لو أنني سقيتُ التراب معهم ومسّدتُ التجاعيد عن سطحه، ولو أنني اخترتُ لون الزهور. لكنني لم أحظَ بهذا الشرف إلا في رحلةٍ واحدةٍ إلى أمريكا، بعد رحيل أمي بثلاثة أشهر. خمسة عشر يوماً أمضيتها في لوس أنجلس وأنا أزور المدفن كلّ صباحٍ، أرتشف القهوة وأدردش مع غاليتي، أو هكذا بدا لي. منذئذٍ لم تمنحني السياسات الأمريكية هذه الفرصة مجدداً، إذ كانت ولا تزال تضيّق الخناق على منح تأشيرات الدخول لمواطني عشرات الدول، من ضمنها لبنان.

 

نحتاج إلى وقتٍ طويلٍ ربّما لتحليل شخصية ترامب وأسلوبه في القيادة، لكنّ مقارنةً بسيطةً مع أسلافه تكشف أنّ السياسة الأمريكية واحدة. فترامب الذي أمرَ باعتقال رئيس فنزويلا — الغنية بالنفط أيضاً — بتهم الإرهاب والاتّجار بالمخدرات والأسلحة، هو نسخةٌ عن رؤساء سابقين.

 

هذا ما تفصّله مطوّلة الفراتس الأولى هذا الأسبوع، بعنوان “الدفاع عن المسيحية ستاراً للسياسات النفطية الأمريكية”. لا يمكن فهم خطاب اضطهاد المسيحيين بمعزلٍ عن عقيدةٍ سياسيةٍ دينيةٍ راسخةٍ داخل التيار الجمهوري المحافظ وامتداداتها في حركة “ماغا”. وفق المقال البحثي المطوّل، ظهرت هذه العقيدة في خطابات رؤساء أمريكيين، مثل رونالد ريغان وجورج بوش الابن، عبر توظيف نبوءاتٍ مسيحيةٍ ومفردات “الحرب الصليبية” لتبرير الحروب والتدخلات. وهو امتدادٌ مباشرٌ للمنطق الاستعماري الذي استخدم الدين غطاءً للسيطرة والتوسع.

 

وإلى حين يكتب لي القدر زيارة “روز هيلز”، لا يزال بإمكاني أن أستنجد الأحلام للقاء الغوالي، مع أنها هي الأخرى سياسيّة. أو على الأقلّ هذا ما تعرضه ثاني مطوّلاتنا لهذا الأسبوع بعنوان “الحلم أرشيفاً للصدمة المتوارثة من الاستعمار الإيطالي إلى المنفى البريطاني”.

 

تتجلى المنامات في حياتنا إحدى الطرق التي نحاول بها معالجة صدماتنا من التحولات السياسية والاجتماعية، ومنها الفقد والاستعمار والحرب الأهلية. في ستة آلاف كلمةٍ، فسّر مو مصراتي صراع الإنسان مع أحلامه وفيها. إذ يعود بالذاكرة إلى تجربته الشخصية وكيف صنعت الأحلام جزءاً من قدرته على التعامل العاطفي مع التغيرات والصدمات في الحياة، موضحاً أنها قد تنتقل عبر الأجيال بعد التحولات الكبرى من استعمارٍ وحروب.

 

يفتتح مصراتي خاتمة نصّه الشيق بالقول: “بدأتُ بحمل أحلام عائلتي العابرة للأجيال، ومن ثمّ أحلامٍ احتوت على صدمات جيلنا في ليبيا. فكانت محاولةً للتصريح في عالم اللاوعي بما يصعب التصريح به والتعبير عنه في الواقع”.

 

لا شكّ أن تجربة مصراتي تتقاطع مع تجربة كثيرين منّا، نقرؤها في نصٍّ يجمع بين العلم والأدب.

 

تالياً، يحملنا الكاتب محمد أبو النجا إلى مصر على وقع موسيقى السمسمية، وهي آلةٌ وتريةٌ شعبيةٌ تعد أبرز رمزٍ موسيقيٍّ لمدن قناة السويس المصرية. معه نتعرَّف إلى سيرة الريّس زكريا، واسمه الكامل زكريا إبراهيم، أحد مطوّري مسار فنّ السمسمية راقصاً ومغنياً.

 

غير أن سيرة الريّس زكريا، وهو ما يوضّحه المقال بتفصيلٍ شيّق، تتجاوز المساهمة الفنية. فهو مؤثرٌ ثقافيٌّ تَشكَّل وعيُه شعبياً، وتبلور مشروعه الفني متداخلاً مع سياقات الحرب والتهجير وما بعدهما من تغيّرٍ اجتماعيٍّ واقتصاديٍّ في مدن القناة. فمن تأسيسه فرقةَ الطنبورة، يظهر تحوّل السمسمية من أداءٍ عفويٍّ مع الصحبة والسهرات الشعبية إلى مشروعٍ واعٍ لحفظ التراث يعمل على إعادة تنظيمه وتقديمه خارج شروط الاستهلاك التجاري. بهذا لم تكن الطنبورة مجرد فرقةٍ موسيقيةٍ، بل منصةً لاستعادة الأغاني المنسية ولمّ شتات الفنانين القدامى وبناء شبكاتٍ جديدةٍ للأداء والتوثيق. وفي هذا المسار، تتكشّف علاقة الفن الشعبي بالذاكرة الجمعية. لا مخزوناً ساكناً، بل فعلاً مقاوماً، راهن فيه زكريا إبراهيم على الموسيقى شكلاً من أشكال صيانة ثقافة المجتمعات.

 

ومن مصر إلى المغرب. وكم هي مؤلمةٌ الصور المُرفقَة مع مطوّلة “مدن المغرب العتيقة.. تراث في مهبّ الاستثمار السياحي”، من تصوير كاتبته فاطمة الزهراء. فما بالك بالتفاصيل التي تكشف أنّ المدن العتيقة في المغرب تشهد تحولاتٍ عمرانيةً جذريةً في العقد الأخير، استعداداً لاستقبال المغرب كأسَ العالم 2030. ولم تقتصر هذه التحولات على الترميم وإعادة التأهيل، بل شملت محو أحياءٍ بأكملها ستُعوّضها مشاريع، بعضها معلنٌ وآخَر طيّ الغموض. كل ذلك أفرز صراعاً بين جهةٍ ترى في الفضاءات التاريخية رافعةً لجذب الاستثمار، وجهةٍ تدافع عن التراث ذاكرةً جماعية.

 

لإنجاز هذا التقرير، استقصت الكاتبة آراء سكانٍ بالمدينة العتيقة في الدار البيضاء، الذين عدّوا ترحيلهم إلى ضواحٍ بعيدةٍ مثل حيّ النسيم “إجحافاً يقبر ذاكرتهم الجماعية” ويضرب عيشهم الاقتصادي المرتبط بالميناء القريب أو التجارة في سوق بوسبير في محيط المدينة العتيقة نفسها. وأوردت الكاتبة شهاداتٍ قيّمةً من المتضررين وأهل الاختصاص تؤكّد أن تغيير وظيفة الرياض من مساكن إلى مؤسساتٍ سياحيةٍ وتجاريةٍ، أقصى الساكنَ الأصليَّ لصالح نموذج ترميمٍ موجّهٍ للسائح أكثر منه للمجتمع المحلي.

 

ختمنا أسبوعنا الفراتسيّ مع الكاتب محمد بالطيب الذي وثّق سيرة المقرئ والمؤذن التونسي علي البرّاق. وضح الكاتب كيف استثمرت الدولة التونسية صوت البرّاق في تأميم مدرسة التلاوة التونسية ليصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية التونسية ويشكّل صورتهم عن الإسلام. فصوت البرّاق جزءٌ من ذاكرة التونسيين جميعاً، وتلاوته جزءٌ من الذاكرة السمعية لشعبٍ بأسره. ويبدو صوته الشيء الوحيد تقريباً الذي لا يزال يعيش مع التونسيين بكلّ أجيالهم، حتى ظل متعالياً فوق كلّ التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي طرأت على البلاد منذ ثلاثينيات القرن العشرين.

وبخلاف كونه يمثّلُ العلامة الأبرز التي تُحيل إلى المدرسة التونسية في التلاوة ومرجعها الرئيس، فإنّ البرّاق يحمل في سيرته الشخصية وسيرة صوته سرداً تاريخياً تونسياً طويلاً في الدين والثقافة والسياسة. ويطفو صوته فوق مراحل طويلةٍ من التحولات التي عاشتها البلاد في تاريخها الحديث. لذلك فإنّ السرد في تاريخ علي البرّاق وسيرته، على ضعف المَراجع عنه، سردٌ في التاريخ الاجتماعي للصوت والتلاوة في تونس.

 

ما تقرؤونه في نشرتنا الأسبوعية غيضٌ من فيضٍ، لذا ندعوكم لتصفّح المقالات.

 

عن نفسي، أنا على يقينٍ بأنني سأزورُ أمّي يوماً. لن يحول بيني وبين حضنها سياساتٌ ورؤساءٌ وقراراتٌ دولية. سأجلس بجوار ترابها النبيل وسأهمس لها بأنّ سابعَ أرضٍ بجانبها أجملُ من الدنيا وما فيها.

 

دمتم بخير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى