ثقافة ومجتمع

القديس مارون… حين يصبح النسك مشروع وطن

فادي غانم

في التاسع من شباط من كل عام، لا نستعيد سيرة قديسٍ فحسب، بل نستحضر قصة شعبٍ اختار أن يحيا حرًّا، وأن يكتب تاريخه بالصلاة والتعب والصمود. إنّ ذكرى القديس مارون ليست محطة طقسية عابرة، بل لحظة تأمّل في معنى لبنان نفسه: هذا الوطن الذي وُلد من رحم المعاناة، وتشكّل من إرادة البقاء، وتكرّس رسالةً للحرية في محيطٍ عاصف.
فالقديس مارون لم يكن مجرد ناسكٍ في أعالي الجبال، بل كان بذرة مشروعٍ روحي–وطني، امتدّ عبر القرون ليصبح هويةً جامعة، وروحًا تقاوم الانكسار، وشهادةً بأنّ الإيمان الحقيقي قادر على صناعة الأوطان.
1- مارون: قداسة تتجسّد حرية
وُلد القديس مارون في أواخر القرن الرابع الميلادي في بلاد سوريا، واختار منذ شبابه درب التقشّف، متخلّيًا عن زخارف الدنيا، ساكنًا العراء تحت قبة السماء. غير أنّ نسكه لم يكن انسحابًا من العالم، بل موقفًا وجوديًا عميقًا، وتمردًا هادئًا على كل أشكال العبودية.
في زمنٍ كثرت فيه الضغوط السياسية والانقسامات اللاهوتية، تحوّل مارون إلى ضميرٍ يقظ، وقداسةٍ لا تُشترى ولا تُروَّض. ومن حوله نشأت جماعة آمنت بأن الحرية تبدأ من الداخل، وأن الكرامة لا تُمنح بل تُصان. تلك الجماعة لم تكن مجرد رهبان، بل نواة شعبٍ سيتعلّم كيف يحيا واقفًا، حتى في وجه العواصف.
2- الموارنة: من صخور الجبل إلى فكرة لبنان
حين قصد الموارنة جبال لبنان، لم يصلوا غزاةً ولا هاربين، بل حملوا معهم مشروع حياة. روّضوا الصخور، زرعوا المدرّجات، بنوا الأديرة، وحوّلوا القساوة إلى جمال. هناك، لم يكن الجبل مجرد ملاذ، بل مدرسة حرية.
ومن تلك القمم، وُلدت فكرة لبنان: وطنٌ صغير في الجغرافيا، كبير في المعنى؛ متعدّد بلا ذوبان، وصلب بلا انغلاق. لم يكن لبنان مشروع هيمنة، بل مساحة كرامة إنسانية، وشهادةً على إمكانية العيش المشترك.
ولم يكن الموارنة جماعة انعزال، بل جماعة رسالة، دفعت أثمانًا باهظة دفاعًا عن حريتها وعن شركائها في الوطن، مؤمنةً بأنّ لبنان لا يقوم إلا بتوازن أبنائه وتكامل أدوارهم.
3- من الرسالة إلى زمن الامتحان
لكن الشعوب التي تحمل رسالة لا تُعفى من الاختبار. فالطائفة التي ارتبط اسمها بالحرية تجد نفسها اليوم أمام سؤال مصيري: هل لا تزال أمينة لروح مارون؟ أم أنّ بريق السلطة، وثقل الانقسامات، وضجيج المصالح، حجبت عنها نور البدايات؟
إنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في الأزمات، بل في فقدان البوصلة الروحية التي جعلت من هذا الشعب شاهدًا على الرجاء.
4-أزمة قيادة… لا أزمة طائفة
الواقع السياسي الماروني اليوم يعاني تشرذمًا واضحًا، وتقدّمًا للمصالح الضيقة على المصلحة الوطنية، وخطابًا يفتقر أحيانًا إلى رقيّ المسؤولية التاريخية. لكن الحقيقة التي يجب التمسّك بها هي أنّ الأزمة ليست أزمة طائفة، بل أزمة بعض من يتصدّرون المشهد من دون أن يحملوا ثقل الرسالة.
فالقديس مارون لم يؤسّس نفوذًا، بل زرع ضميرًا. ولم يسعَ إلى سلطة، بل إلى تحرير الإنسان. فكيف يُعقل أن تتنازع القيادات على المواقع فيما الوطن يترنّح؟ وكيف نرضى أن تضيق الرؤية حيث كان الأفق يومًا بحجم رسالة؟
5- حين يتسلّل الانقسام إلى القلوب
الأشد ألمًا أنّ الشرخ لم يبقَ حبيس السياسة، بل تسلّل أحيانًا إلى بعض الرعايا والجماعات، حيث يصبح التفاهم على أبسط الشؤون أمرًا شاقًا. وعندما تعجز جماعة مؤمنة عن إدارة ذاتها بروح الشركة، فإنّ الأمر يتجاوز الإدارة إلى خللٍ في الروح.
فالكنيسة التي وُجدت لتكون علامة وحدة، لا يجوز أن تتحوّل مرآة انقسامات.
6- العودة إلى الينبوع
لسنا بحاجة إلى شعارات جديدة بقدر حاجتنا إلى يقظة داخلية تعيدنا إلى الينبوع:
إلى مارون القدوة، لا مارون الاسم.
إلى الإيمان الحرّ، لا الإيمان المصلحي.
إلى الكنيسة كبيتٍ جامع، لا كساحة تجاذب.
فالهوية لا تُصان بالحنين، بل بالالتزام اليومي بالقيم التي صنعتها.
7- رئاسة الجمهورية: أمانة وطن لا امتياز طائفة
إنّ موقع رئاسة الجمهورية، بما يحمله من رمزية دستورية ووطنية عميقة، ليس امتيازًا لطائفة، بل أمانة في عنق من يتولّاه، ومسؤولية تجاه وطنٍ بأكمله. فالالتفاف حول رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون هو، في جوهره، التفافٌ حول فكرة الدولة، وتحصينٌ للتوازن الوطني، وصونٌ للدستور، وترسيخٌ لمنطق المؤسسات في وجه كل محاولات الإضعاف أو التعطيل.
ومن هنا، قد يشكّل التفكير في مؤتمرٍ ماروني جامع، برعاية رئيس الجمهورية واحتضان بكركي، خطوةً جريئة تعيد ترتيب الأولويات، وتنفض الغبار عن جوهر الرسالة، وتوجّه البوصلة نحو ما يوحّد بدل ما يفرّق، نحو ما يبني بدل ما يهدم، ونحو القيم المسيحية والمارونية التي قامت على الخدمة والتضحية والشهادة للحق. فجديرٌ بنا أن نكون أبناء مارون لا بالاسم فقط، بل بالالتزام العميق بمعاني الحرية والكرامة والمسؤولية.
إنّ إعادة البريق إلى هذا الموقع واستعادة مكانته ليست خيارًا سياسيًا عابرًا، بل ضرورة وطنية. فإضعاف رئاسة الجمهورية، أيًّا تكن الذرائع، هو إضعاف للبنان بأسره، لأنّ قوة الدولة تبقى الضمانة الوحيدة لجميع أبنائها، والسقف الذي يحمي وحدتهم ومستقبلهم.
8- خط القداسة لا ينقطع
على الرغم من العواصف والتحوّلات، لم ينقطع يومًا في تاريخ الموارنة نبعُ القداسة. فمن القديس يوحنا مارون، مؤسّس الكيان الروحي الماروني، إلى ناسك عنايا الذي جال صيته العالم، القديس شربل مخلوف، مرورًا بالطوباوي نعمة الله الحرديني، والقديسة رفقا الريس، وصولًا إلى قديسين مجهولين يصنعون الخير بصمت واتّضاع… القافلة مستمرة، والشهادة حيّة.
هؤلاء هم الحصن الحقيقي للبنان، لأنّ الأوطان تُصان أولًا بقداسة أبنائها، لا بضجيج السياسة، وبنور القيم لا بصراع المصالح.
9-لبنان… الرجاء الذي لا يموت
نعم، لبنان موجوع، والموارنة جزء من هذا الوجع. لكن كما تفجّرت الينابيع من الصخر، سيولد الرجاء من قلب المعاناة.
بشفاعتهم، وبعودة صادقة إلى جوهر الرسالة، سنعيد بناء لبنان الذي نحب:
لبنان الحرية لا الغلبة،
لبنان الشراكة لا الانقسام،
لبنان الإنسان قبل السلطة.
في عيد القديس مارون،
ليكن هذا اليوم دعوةً إلى مراجعة الضمير قبل الاحتفال،
وإلى التعمّق في المعنى قبل الاكتفاء بالرمز.
فالأوطان التي قامت على الصلاة لا تسقط،
والشعوب التي تعلّمت من قديسيها كيف تقوم بعد كل سقوط لا تموت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى