
نشرت الكاتبة رولا الجردي عبر حسابها على فيسبوك
قراءة مميزة لكتاب #روح_غنيةٌ_أم_عبدٌ_فقير من الكاتب الصديق
Zoheir El Rammahl
شكر كبير على هذه القراءة العميقة، الحكيمة ،المستنيرة، الصادقة، والتحليل الفلسفي وسبر أعماق وأبعاد الكلام…
الكاتب والأديب هو قارئ متعمق ليس سطحياً، ينقّب عن اللؤلؤ بإتقان ويعرف جيداً أنه لا يطفو على السطح.
تحياتي وتقديري لك ،
من أروع القراءات النقدية عن كتاب #روح_غنيةٌ_أم_عبدٌ_فقير
شكرا زهير الرماح.
روحٌ غنيّةٌ أم عبدٌ فقيرٌ؟
عنوانُ كتابٍ للروائيّة رولا الجردي
قراءةٌ للكاتب زهير الرمّاح
قرأتُ كتابكِ، أيتها المستنيرة، وأنا مثقلٌ بأعباءِ الأيام، محاطٌ بمسؤولياتٍ جسامٍ، أختلسُ من الوقتِ لحظاتٍ، وأقتنصُ من زحامهِ فُسحاتٍ. وكيف لا أفعل، وأنا ربُّ أسرةٍ تتنازعني متطلّباتُها، في زمنٍ يُغالبُ فيه الأبُ قسوةَ الحياة ليؤدّي ما استودعه الله من أمانةٍ، وما يُمليه عليه ضميرُه من واجب.
رجوتُ، وأنا أطوي صفحات كتابكِ، ألّا أكون من المقصّرين؛ لا في حقّ أسرتي، ولا في حقّ الفكرة التي تستحقّ أن تُقرأ بتأنٍّ وتأمّل.
روحٌ غنيّةٌ أم عبدٌ فقيرٌ… قراءةٌ في عمقِ الحوار الداخليّ
ليس الكتابُ مجرّدَ صفحاتٍ تُقرأ، بل مرآةٌ يُستدعى إليها القارئ ليواجهَ ذاتَه. فالحوار بين الروح الغنيّة والعبد الفقير ليس حوارًا بين شخصين متقابلين، بل بين حالتين تسكنان الإنسان نفسَه؛ حالةٌ تعرفُ سعَتَها بالله، وأخرى تضيقُ بخوفها من الفقد. الروح الغنيّة لا تُقاس بما تملك، بل بما استغنت عنه، والعبد الفقير ليس من قلَّ مالُه، بل من قلَّ يقينُه.
ومن هذا العمق ينبثق الصمت لا كغيابٍ للكلام، بل كحضورٍ للوعي؛ فالصمت في هذا الطرح ليس انسحابًا، بل ارتقاء. هو فسحةٌ تتطهّر فيها النوايا قبل أن تتزيّن الكلمات. فالكلام حين لا يمرّ عبر مصفاة الصمت يفقد ذبذبته الراقية، ويصبح ضجيجًا لا أثر له. أمّا الكلمة الصادرة من روحٍ حرّةٍ مطمئنّةٍ، فإنها تبلغ القلب قبل الأذن، لأنها محمّلة بصدق التجربة، لا باستعراض المعرفة.
ويمضي الكتاب ليسائل هدف الروح في الأرض: أهو التراكم أم التزكية؟ أهو التنافس على الظاهر أم الارتقاء في الجوهر؟ فالروح لم تُودَع الجسد لتُرهق نفسها بالسباق، بل لتتعلّم ميزان العدل، وتختبر معنى الرحمة، وتدرك أن كلَّ فعلٍ يعود صداه إلى صاحبه وفق قانونٍ إلهيٍّ لا يختلّ.
وفي التفريق بين المتكبّر وعزيز النفس، يكشف الطرح فارقًا دقيقًا؛ فالمتكبّر يتعالى ليغطّي هشاشتَه، أمّا عزيز النفس فيستقيم دون أن يستعرض. الأوّل يحتاج أن يُنقص من غيره ليشعر بالقيمة، والثاني يكتفي بأن يعرف قدره دون أن ينتقص من أحد. وهنا تتجلّى الروحانيّة في أبهى صورها؛ فهي ليست طقوسًا معزولة، بل وعيًا أخلاقيًا يُترجم إلى سلوكٍ يوميّ.
أمّا أسرار الكون، فلا تُقدَّم كألغازٍ تُفكّ، بل كدعوةٍ إلى التأمّل. فالحقيقة لا تطفو على السطح لمن يكتفي بالنظر العابر؛ إنها تحتاج قلبًا متجرّدًا، وعقلًا لا تحكمه الأهواء. وكلّما تعمّق الإنسان في الفهم ازداد تواضعًا، لأن المعرفة الصادقة تُشعره بصِغَره أمام اتّساع الحكمة الإلهيّة.
ويبرز في هذا السياق دورُ الأنثى العظيم، لا كعنصرٍ تكميليّ، بل كقوّة تأسيس. فهي من تغرس القيم الأولى، وتشكّل الوعي المبكّر، وتصنع في صمتها أجيالًا كاملة. حضورها ليس هامشًا، بل ركيزةُ توازنٍ في بناء الإنسان.
ويختم الخطاب بنداءٍ خالد:
يا ابنَ آدمَ، تواضع.
فكلُّ رفعةٍ بلا تواضعٍ سقوطٌ مؤجّل، وكلُّ علمٍ بلا خشوعٍ غرورٌ مقنّع. الروح الغنيّة هي التي تعرف قدرها دون أن تنسى أصلها، وتسير في الأرض ثابتة الخطى، لأنها تدرك أن الغنى الحقيقي ليس فيما نملك، بل فيما نكون.
هذه قراءةٌ في بعض ما أتحفتنا به الكاتبة رولا من رسائل. ومن المؤكّد أن القارئ لا يخرج من أجواء الكتاب إلّا وهو محمَّلٌ بوصايا ترافق سلوكه، وتهذّب نفسه، وتفتح أمامه آفاقًا جديدة نحو التطوّر والانعتاق من الموروثات البالية، متخطّيًا حواجز الخوف، ومتّجهًا إلى عالمٍ من الحرّيّة طالما اشتاقت إليه نفوسُنا بعد انقطاعٍ قسريّ.
شكرًا رولا الجردي.



