
كتب د ميلاد السبعلي
أول آذار 2026: كيف نكون أوفياء لمنهج سعاده اليوم؟
في كل أول آذار، لا يكفي أن نستعيد كلمات أنطون سعاده، بل يجب أن نستعيد حركية عقله ومنهجه العلمي في التفكير. فالرجل لم يكن خطيب مناسبة، بل قائد مشروع يتطوّر مع تطوّر المرحلة. فلو راجعنا خطاباته التي القاها في الأول من آذار في الأعوام 1938، و 1940، و 1949، كنموذج لتطور مقاربته، نرى أنها ليست تكراراً لمفردات ثابتة، بل انتقالاً مدروساً من مرحلة إلى مرحلة: من تحديد القضية، إلى تثبيت الإرادة والدور الحضاري، إلى إعلان الصراع الوجودي. وإذا أردنا أن نكون أوفياء لمنهجه في عام 2026، فعلينا أن نفهم هذا التطوّر، لا أن نجمد عند إحدى مراحله.
=== أولاً: 1938 – تحديد القضية وتطهير المفاهيم
في خطاب 1938، كان سعاده يواجه فوضى فكرية وروحية عميقة. كانت “القضية العربية” تُستخدم بأشكال ملتبسة، وكانت “القضية اللبنانية” تُستثمر طائفياً، وكان الدين والسياسة والهوية مختلطين في خطاب واحد مشوّش. لذلك ركّز على إعادة تعريف القضية القومية من أساسها، فقال:
“القضية القومية لا تنحصر في فكرة التحرر السياسي من ربقة دولة مسيطرة بل القضية القومية تكون في إدراك شخصية الأمة وحاجاتها وإيجاد المبادئ الموحدة صفوفها واتجاهها”.
بهذا التحديد، نقل القضية من ردّ فعل على الاستعمار إلى فعل تأسيسي قائم على فهم “وحدة الحياة” و”المصلحة الواحدة الدائمة”، مؤكداً أن:
“الإرادة الواحدة الدائمة لا تكون إلا وليدة المصلحة الواحدة الدائمة”.
في هذه المرحلة، كان الصراع صراع تعريفات. لم يكن المطلوب تعبئة عاطفية، بل بناء وعي واضح. لم يكن المطلوب تحالفات ظرفية، بل تأسيس قاعدة فكرية صلبة تُخرج الأمة من اليأس الذي وصفه حين قال إن النفسية العامة كانت نفسية خوف وخنوع وفقدان ثقة:
“بهذه الحقيقة انتصرنا على اليأس وظلمة الفكر وتشوش الشعور”.
هنا، كان الحزب إطاراً عقلانياً يعيد الثقة ويضبط المعاني ويؤسس للتمايز القومي. كان المشروع في طور “تعريف الذات” وإعادة بناء الإرادة:
“نحن لنا وحدة حياتنا في هذا الوطن الذي هو وطننا وتراثنا، ولنا مصالحنا التي لا نخلط بينها وبين مصالح الوحدات الأخرى”.
لكن تحديد الذات لم يكن غاية بحد ذاته، بل كان شرطاً للانتقال إلى دور أوسع. فما إن استقرت القضية في وعيها النظري، حتى بدأت تتحرك في بعدها التاريخي والحضاري.
=== ثانياً: 1940 – من النهضة القومية إلى الرسالة الحضارية
أما في خطاب 1940 في المهجر، فنحن أمام نقلة نوعية. لم يعد الحديث محصوراً في إزالة البلبلة، بل انتقل سعاده إلى إعلان إرادة تاريخية ورسالة حضارية. قال بوضوح:
“إنّ الحركة السورية القومية تمثل إرادة الأمة السورية في الحياة”.
وأضاف بلهجة حاسمة: “في إرادتنا القضاء والقدر”.
لكن الأهم في خطاب 1940 هو البعد الحضاري العالمي الذي أبرزه بجرأة. فهو لم يقدّم النهضة كحركة تحرر سياسي فحسب، بل كمشروع إنساني يتجاوز الحدود الجغرافية، حين قال:
“إنّ في المبدأ السوري القومي إنقاذاً لا يقتصر على سورية، بل يتناول وضعية المجتمع الإنساني كله”.
كان العالم آنذاك يغلي على أبواب الحرب العالمية الثانية، وصراع المذاهب المادية والروحية يتصاعد. وفي هذا السياق، طرح سعاده ما سمّاه:
“الأساس المادي – الروحي للحياة الإنسانية”،
رافضاً الثنائية القاتلة بين ترجمة مادية للحياة (التي مثلها الحلفاء بصنويهم الليبرالية والاشتراكية) وترجمة روحية (التي مثلتها النازية والفاشية) منفصلة عنها. لقد رأى أن الصراع العالمي ليس مجرد تنازع دول، بل أزمة فلسفة حياة. ومن هنا اعتبر أن النهضة القومية ليست مجرد ردّ فعل، بل مساهمة في إصلاح المجتمع الإنساني وترقيته.
“نهضتنا لا تعبّر عن حاجاتنا نحن فقط، بل عن حاجات إنسانية عامة”.
هذا البعد الحضاري هو الذي يجعل خطاب 1940 محورياً. فهنا تتحول النهضة من مشروع قومي دفاعي إلى مشروع إبداعي يقدّم نموذجاً جديداً للحياة. ولم يعد الصراع محلياً فقط، بل أصبح صراع رؤى للعالم.
في هذه المرحلة، كان الحزب إرادة حيّة عابرة للوطن والمهجر، وكان يربط بين وحدة الأمة ومكانتها في العالم. وقد قال في الخطاب:
“نحن لا نريد الحرية لمجرد الحرية… بل نريد الحرية لننشئ المجتمع المثالي الموضوعة قواعده في مبادئنا”.
“نحن لا ننهض لنأخذ حقنا فقط، بل لنعطي العالم المفتقر إلى نبوغ أمتنا ومواهب شعبنا”.
إنها لحظة توسّع، لحظة إعلان أن الأمة ليست موضوعاً للتاريخ، بل فاعل فيه.
=== ثالثاً: 1949 – الصراع الوجودي بين الحياة والذل
ثم جاء خطاب 1949، في سياق نكبة فلسطين وتصاعد العدوان اليهودي الصهيوني وتكشّف التحالفات الداخلية والخارجية. هنا تتكثف المفردات، ويصبح الصراع وجودياً. يقول سعاده:
“لو لم نكن حركة صراع لما كنا حركة على الإطلاق”.
و “نحن في صراع مع الإرادة الأجنبية ومع الإرادات الخصوصية المتحالفة معها”.
ويحسم المعادلة بقوله:
“إنّ الصراع هو صراع حياة وموت”.
في هذه المرحلة، لم يعد الكلام عن تحديد المفاهيم أو حتى عن الرسالة الحضارية، بل عن المواجهة المباشرة. عن “الحياة” مقابل “العيش”، عن “العز” مقابل “الذل”. يقول:
“الحياة لا تكون إلا في العز… أما العيش فلا يفرّق بين العز والذل”.
هنا تتلاقى الفلسفة مع الدم. تتلاقى الإرادة مع القتال. ويصبح الصراع مع العدو الخارجي متشابكاً مع الصراع ضد الانحطاط الداخلي، الذي اعتبره أشد خطراً.
لكن حتى في هذه اللحظة التصادمية، لم يتخلّ عن مبدأ أن:
“السياسة عندنا فن يخدم غاية”. و “القوة لذلك هي أساس من أسس هذه النهضة”.
فالغاية ثابتة، والسياسة أداة. الصلابة حيث يجب، والمرونة حيث تفيد، دون أن تتحول العقيدة إلى مناورة.
=== رابعاً: 2026 – مسار ثمانية عقود من التغيير الجذري: عالم تغيّر… وأدوات لم تتغيّر بالقدر الكافي
بعد خطاب 1949، الذي جاء في لحظة تشكّل النظام الإقليمي الجديد على أنقاض نكبة فلسطين، دخل العالم مرحلة مختلفة تماماً عمّا عرفه سعاده في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، لم يتغير الواقع فقط في منطقتنا، بل أعيد تشكيل النظام الدولي بأكمله على أسس جديدة.
1. تشكّل النظام الدولي الثنائي (1945-1991)
انتهت الحرب العالمية الثانية بانتصار الحلفاء، وولادة نظام عالمي ثنائي القطبية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. قامت مؤسسات دولية جديدة – الأمم المتحدة، البنك الدولي، صندوق النقد الدولي – لترسيخ نظام سياسي واقتصادي عالمي يخدم ميزان القوى الجديد. في هذا السياق:
• نشأ مفهوم “الدول النامية” و”العالم الثالث”.
• تحوّلت المنطقة إلى ساحة صراع بالوكالة بين المعسكرين.
• ترسّخت “إسرائيل” ككيان مدعوم غربياً في قلب الإقليم، وأصبحت جزءاً من الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط.
• تداخلت مشاريع التحرر القومي في المنطقة مع لعبة المحاور الدولية.
في هذه المرحلة، كان الصراع الجيوسياسي تقليدياً: تحالفات عسكرية، انقلابات، حروب مباشرة أو غير مباشرة، وتسليح كثيف. وكانت أدوات القوة الأساسية هي الجيوش، الأيديولوجيات الكبرى، والاقتصاد الصناعي الثقيل.
2. صعود النيوليبرالية والعولمة (1970-2008)
مع سبعينيات القرن الماضي، بدأت التحولات الاقتصادية الكبرى:
• انهيار نظام “بريتون وودز” وربط العملات بالدولار.
• صعود النيوليبرالية وسياسات الخصخصة.
• تعاظم دور الشركات المتعددة الجنسيات.
• انتقال الاقتصاد العالمي تدريجياً من الصناعة الثقيلة إلى اقتصاد الخدمات والمال.
ثم جاء انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 ليطلق مرحلة الأحادية القطبية الأميركية. أصبحت الولايات المتحدة القوة المهيمنة بلا منازع، وتكرّست العولمة كإطار اقتصادي وثقافي عالمي. في هذه المرحلة:
• فُتحت الأسواق.
• ازداد ترابط الاقتصاد العالمي.
• تعمّقت تبعية الاقتصادات الضعيفة للنظام المالي الدولي.
• تحوّل الإعلام إلى صناعة عابرة للحدود.
في منطقتنا، رافق ذلك:
• اتفاقيات تسوية جزئية.
• حروب جديدة تحت عنوان “الشرق الأوسط الجديد”.
• محاولات إعادة رسم الخرائط السياسية والاجتماعية.
الثورة الرقمية وبداية عصر المعرفة (1990-2015)
في الوقت نفسه، كانت ثورة هادئة تعيد تشكيل العالم من الداخل:
ثورة الإنترنت، الاتصالات، الحواسيب الشخصية، ثم الهواتف الذكية. تحوّلت المعلومات إلى قوة. ظهرت منصات التواصل الاجتماعي، وتغيّر مفهوم الرأي العام، وبدأت الحروب السيبرانية وحروب المعلومات.
لم تعد القوة مقتصرة على من يملك الدبابات، بل على من يملك:
• البنية التحتية الرقمية.
• السيطرة على البيانات.
• القدرة على التأثير في الوعي الجماهيري.
الدولة لم تعد اللاعب الوحيد؛ الشركات التكنولوجية العملاقة أصبحت قوى عابرة للحدود تفوق بعض الدول تأثيراً.
3. العقد الأخير: صراع المنظومات، الذكاء الاصطناعي، وإعادة تشكيل الخرائط
منذ 2015 تقريباً، دخل العالم مرحلة جديدة من التنافس بين المنظومات الكبرى (الولايات المتحدة، الصين، روسيا، الاتحاد الأوروبي). لم يعد الصراع فقط عسكرياً، بل:
• صراع على سلاسل الإمداد.
• صراع على أشباه الموصلات.
• صراع على الذكاء الاصطناعي.
• صراع على الفضاء والفضاء السيبراني.
أصبحت البيانات مورداً استراتيجياً. الذكاء الاصطناعي بات أداة اقتصادية وعسكرية وإعلامية. تغيّرت طبيعة الحرب نفسها:
حروب هجينة، عمليات تأثير، عقوبات مالية، تفكيك مجتمعات عبر الإعلام.
في هذا السياق العالمي المعقد، يعاد طرح مشاريع توسعية في منطقتنا، ومنها مشروع “إسرائيل الكبرى”، الذي يتجاوز مجرد السيطرة العسكرية إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية والهوية الإقليمية. المشروع اليوم لا يُدار فقط بالبندقية، بل عبر:
• التطبيع الاقتصادي.
• التفوق التكنولوجي.
• التحالفات الأمنية.
• السيطرة على السردية العالمية.
وبالتالي فإن العالم الذي أنتجته الحرب العالمية الثانية لم يبقَ كما هو.
انتقل من ثنائية قطبية إلى أحادية، ومن أحادية إلى تنافس متعدد الأقطاب.
انتقل من اقتصاد صناعي إلى اقتصاد مالي، ثم إلى اقتصاد معرفي رقمي.
انتقل من إعلام مركزي إلى فضاء شبكي مفتوح.
انتقلت القوة من الجغرافيا وحدها إلى الخوارزمية والبيانات.
وهذا يعني أن الصراع اليوم لا يُختزل في مواجهة عسكرية، بل هو صراع منظومات شاملة: اقتصادية، تكنولوجية، إعلامية، ثقافية. وهذا التحول الجذري يعيد طرح السؤال المنهجي: كيف كان سيتعامل سعاده مع عالم تنتقل فيه القوة من الجغرافيا إلى الخوارزمية؟
إذا كان سعاده قد تعامل بمرونة استراتيجية مع واقع الثلاثينيات والأربعينيات، فإن الوفاء لمنهجه يقتضي أن نتعامل نحن بوعي مماثل مع هذا العالم المتحوّل، لا أن نُسقط أدوات الماضي على واقع مختلف جذرياً.
التحدي في 2026 ليس فقط أن نرفض المشاريع الاستعمارية، بل أن نفهم البيئة الدولية التي تتحرك ضمنها هذه المشاريع، وأن نبني أدوات مواجهة تناسب عصر المعرفة والتحول الرقمي، تماماً كما بنى سعاده أدواته وفق عصره.
في المقابل، يعاد اليوم طرح مشاريع استعمارية بأشكال جديدة. فمشروع “إسرائيل الكبرى” يُعاد التلويح به سياسياً وإيديولوجياً في خطاب قيادات العدو، ويترافق مع وقائع ميدانية واستيطانية وخرائط تتجاوز حدود فلسطين. هذه ليست مجرد تصريحات؛ إنها رؤية توسعية تسعى إلى إعادة تشكيل الإقليم.
في مواجهة ذلك، لا يكفي خطاب تعبوي. ولا يكفي استحضار مفردات 1949 دون أدوات 2026. الوفاء لمنهج سعاده يعني أن نفهم أن الصراع اليوم متعدد المستويات: عسكري، اقتصادي، إعلامي، تكنولوجي، ثقافي.
إذا كان سعاده في 1938 قد حارب الفوضى الفكرية، فالفوضى اليوم رقمية وإعلامية. وإذا كان في 1940 قد طرح رؤية حضارية للعالم، فعلينا اليوم أن نصوغ رؤية حضارية لعصر الذكاء الاصطناعي والاقتصاد المعرفي. وإذا كان في 1949 أعلن أن القوة أساس النهضة، فعلينا أن نحدد ماهية القوة في عصرنا.
=== خامساً: تطوير آليات العمل – من التنظيم التقليدي إلى المنظومة الذكية
يؤكد سعادة في خطاب أول مارس 1938: “نحن جادّون في هذا الطور العملي لوضع الأمة السورية كلها على طريق الفلاح”.
الوفاء لمنهج سعاده اليوم يقتضي تحديثاً جذرياً في آليات العمل:
1. بناء منظومة بحث واستشراف استراتيجية
إنشاء مراكز أبحاث محترفة تدرس التحولات الإقليمية، مشاريع التوسع الصهيوني، التغيرات في ميزان القوى العالمي، وتنتج سيناريوهات وتوصيات عملية. الصراع مع المشاريع الاستعمارية لا يُدار بالشعارات، بل بالتحليل العميق وصناعة القرار المبني على بيانات.
2. التحول الرقمي الكامل في الإدارة والتنظيم
استخدام أنظمة إدارة حديثة، وقواعد بيانات مركزية، ومنصات تواصل داخلية آمنة، لتوحيد العمل وتجاوز الارتجال. التنظيم الفعّال اليوم يحتاج إلى شفافية في المعلومات وسرعة في اتخاذ القرار.
3. الاستثمار في الذكاء الاصطناعي
– تحليل الرأي العام عبر أدوات تحليل البيانات.
– إدارة الحملات الإعلامية الرقمية بذكاء خوارزمي.
– رصد الدعاية المعادية وتفكيكها.
– دعم الدراسات الاستراتيجية بمحاكاة سيناريوهات مستقبلية.
4. بناء شبكة إعلام رقمية احترافية
مواجهة مشاريع مثل “إسرائيل الكبرى” لا تكون فقط في الميدان، بل في السردية. يجب امتلاك منصات مؤثرة، محتوى نوعي، حضور عالمي، قدرة على مخاطبة الرأي العام الدولي بلغة معاصرة.
5. إطلاق مشاريع اقتصادية إنتاجية
الاستقلال السياسي لا يُفصل عن الاستقلال الاقتصادي. دعم المبادرات الإنتاجية، التعاونيات، المشاريع التكنولوجية، وربط النهضة بالعمل والابتكار، لا بالاستهلاك.
6. تربية قومية بعقل نقدي ورقمي
تربية الجيل الجديد اليوم يجب أن تجمع بين ترسيخ المبادئ وتنمية التفكير النقدي، بحيث لا يكتفي الشاب بالحماسة بل يمتلك قدرة التحليل والمساءلة وفهم تعقيدات العصر. كما ينبغي إدماج البعد الرقمي الذكي: الوعي بآليات الإعلام، كشف التضليل، استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بوعي أخلاقي وإبداعي، والانخراط في اقتصاد المعرفة بثقة. فالصراع في عصر الشبكات يحتاج إلى جيل يفكر ويبتكر، لا يكرر.
7. استقلالية القرار بانفتاح متوازن
الاستقلالية التي شدد عليها سعاده تعني وضوح المصلحة القومية قبل أي اعتبار آخر، لا الانعزال عن العالم. يمكن بناء علاقات وتفاهمات، لكن من موقع الندية وتوازن المصالح، لا الارتهان أو الذوبان في مشاريع الآخرين. فالقوة اليوم هي القدرة على الجمع بين الثبات على الهدف والمرونة في الوسائل.
8. ضرورة المؤسسات الموحدة لحمل مشروع التحديث
أي تحديث حقيقي يفترض مؤسسات موحدة وقادرة، تحمل رؤية مشتركة وآليات منسجمة، وتستنهض القوميين والجيل الجديد في الكيانات السورية كافة، التي ما تزال مستهدفة بمشاريع التفتيت والتوسع. التفكك يضعف الإرادة ويبدد الجهد، أما الوحدة المؤسسية فهي الشرط العملي لتحويل الفكرة إلى مشروع مستقبلي حي.
=== أول آذار 2026 – امتحان الوفاء لمنهج سعاده
في 1938 قال سعادة إن القضية لا تتحقق إلا بإرادة الأمة.
في 1940 أعلن أن النهضة تحمل رسالة إنسانية.
في 1949 أكد أن الصراع حياة أو موت.
في 2026، الوفاء لا يكون بتكرار العبارات، بل بقراءة العصر وتجديد الأدوات.
أن ننتقل من تنظيم تقليدي إلى منظومة ذكية.
من خطاب دفاعي إلى مشروع حضاري معاصر.
من ردّ فعل إلى فعل استباقي.
ومن تشتّت وارتجال وانقسامات ونزعات فردية وتبعيات، إلى وحدة مؤسسية راسخة، تمتلك رؤية مشتركة وقدرة عملية على المواجهة في هذا العصر بكل أبعاده، وتحمل مسؤولية النهوض بمشروع النهضة الحديثة بثبات واقتدار.
إن المشاريع الاستعمارية تتجدد، ومشروع التوسع الصهيوني يُعاد طرحه بأشكال مختلفة. ومواجهته لا تكون فقط بالبندقية، بل بالعقل، بالتكنولوجيا، بالاقتصاد، وببناء مجتمع قوي قادر على الصمود والإبداع، وبمؤسسات واحدة تستطيع حمل مشروع عصرنة وتحديث أدوات النهضة وآلياتها وخططها.
سعاده لم يرد لنا عيشاً في هامش التاريخ، بل حياة في صلبه. والحياة، كما قال، “لا تكون إلا في العز”. والعز اليوم يمرّ عبر المعرفة، والقوة، والوحدة، والتحديث.
المنهج الذي وضعه سعاده لم يكن قالباً جامداً، بل مساراً تطورياً: تحديد، إرادة، صراع، ثم ارتقاء مستمر.
أول آذار ليس مناسبة للحنين، بل لحظة مراجعة. فإما أن نكون أوفياء لمنهج التطور الذي جسّده سعاده، وإما أن نتحول إلى ذكرى.
