تحليل السياسات

عن الشرق المعلّق واحتمالاته الاستراتيجيّة

كتب أنطوان العويط

إنّها حربٌ لن تنتهي بسهولة.

تراهن إيران على الصمود وإطالة أمد المواجهة، وعلى توسيع دوائر الفوضى والاستنزاف في الإقليم، بما ينعكس اضطرابًا عميقًا في أسواق الطاقة والمال والاقتصاد العالميّ.

استراتيجيّتها لا تقوم على تحقيق نصرٍ عسكريّ مباشر ـ وهو أمر تدرك استحالته ـ بل على إدارة معركة الزمن إلى أن تبلغ لحظة وقف الحرب، تستطيع عندها إعلان الانتصار. فحتّى لو خرجت مثخنة بالجراح، مدمّرة البنية ومشلّعة القدرات، يكفيها أن يبقى نظامها الإسلاميّ قائمًا وقد اجتاز أخطر امتحان في تاريخه، لتلوّح براية النصر.

إنّها معادلة الانتصار عبر البقاء لا عبر الغلبة؛ المعادلة نفسها التي رفعها “حزب الله” بعد حرب تموز 2006، حين اعتبر أنّ عدم سقوطه في الحرب يكفي ليُعلن النصر.

في المقابل، تخشى إسرائيل أن يبادر الرئيس دونالد ترامب، في لحظة مؤاتية، إلى إعلان وقف الحرب مقرونًا بإعلان النصر، مكتفيًا بتحييد المشروع النووي الإيرانيّ نهائيًّا وتدمير ما تبقّى من الترسانة الصاروخيّة، بما يضمن شلّ قدرات طهران العسكريّة ومنع إعادة تشكّل تهديد إقليميّ مستقبليّ. غير أنّ هذا السيناريو، وإن حقّق هدف تحجيم الخطر القتاليّ، يظلّ في نظر الإسرائيليين نصرًا ناقصًا ما دام لا ينتهي بإسقاط النظام نفسه.

تقول المعارضة الإيرانيّة إنّ النظام بات بحكم الساقط، مع تداعي أدواره الإقليميّة وتلاشي قدرته على تصدير الثورة. وتضيف أنّ مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى المختار ليخلف والده، هو من مرتبة دينيّة متوسّطة، لم يبلغ رتبة ” المجتهد” ولا مقام “العلامة” ولا “آية الله”، ما يجعله فاقدًا للأهليّة الدينيّة والسياسيّة الكافية، وقد يواجه اعتراضًا من داخل الحوزات نفسها. وعليه، ترى هذه المعارضة أنّ الانفجار الداخليّ بات أمرًا شبه حتميّ ومن جهّات متعدّدة.

في هذا الإطار، يسود إجماع في الأوساط التحليليّة على أنّ إسقاط النظام عبر الضربات الجوّية وحدها يبدو أمرًا مستحيلًا. وإذا استُبعد خيار التدخّل الأميركيّ البريّ ولا تبدو واشنطن مستعدّة للذهاب إليه حتى الآن، تبقى الفرضيّة الوحيدة المطروحة تحرّك مجموعات داخل إيران في اللحظة الحاسمة. عندها قد يتحوّل الاحتجاج الشعبيّ إلى زلزال سياسيّ وأمنيّ واسع، يضع النظام أمام تحدٍّ وجوديّ طويل الأمد، ويمنع طهران من رفع شارة النصر.

في سياق موازٍ، يتعزّز في العواصم الخليجيّة استنتاج مبكر، تدعمه المعطيات والتحليلات العسكريّة المتداولة، مفاده أنّ الخطر الذي خيّم لسنوات على الشرق الأوسط بفعل الترسانة الإيرانيّة القادرة على زعزعة استقرار الإقليم وتهديد أمنه وخلخلة اقتصادات الدول، بدأ يسلك طريقه نحو التبدّد، ولو احتاج الأمر إلى مزيد من الوقت بطبيعة الحال.

لم يكن سرًّا أنّ الاستراتيجيّة الإيرانيّة قامت طوال السنوات الماضية على بناء ترسانة هائلة تُستخدم، عند اللحظة المناسبة، لشلّ دول الجوار وربما إخضاع بعضها لمعايير القوّة التي تفرضها طهران. غير أنّ السؤال الذي ظلّ يلاحق هذه الاستراتيجيّة لم يكن في وجود تلك القدرات بقدر ما كان في لحظة استخدامها. متى تحين ساعة الصفر التي قد تطلق فيها إيران العنان لهذه السطوة الكامنة؟

افترض كثيرون أنّ تلك اللحظة كانت سترتبط بامتلاك إيران السلاح النوويّ؛ فحيازته كانت ستمنحها مظلّة حصانة تقيها أيّ تدخّل عسكريّ دوليّ مباشر، وتتيح لها التحرّك بثقة أكبر في رسم خرائط النفوذ الإقليميّ وفرض قواعد لعبة الاقتدار.

ومن هذا المنظور، فإنّ الانهيار المتسارع، أو المتوقّع، لما يمكن تسميته إمبراطوريّة السلاح الإيرانيّة، يشكّل تطوّرًا بالغ الأهميّة، لما يحمله من تبدّل عميق في موازين القدرة المتمكّنة التي حكمت المنطقة طوال السنوات الماضية. فالمسألة لا تقتصر على ضرب القدرات العسكريّة أو تدمير مخازن السلاح، بل تتجاوز ذلك إلى تفكيك مشروع قوّة إقليميّة متكاملة بُنيت على مدى ثلاثة عقود، بهدف إعادة صياغة الموازين في الشرق الأوسط.

وإذا ما تحقّق هذا التفكيك ولو من دون إسقاط النظام، فقد تدخل المنطقة مرحلة من الهدوء النسبيّ، أو على الأقل تحظى باستراحة طويلة من التهديدات الإيرانيّة، قد تمتدّ لسنوات طويلة، مانحةً الفاعلين الإقليميين والدوليين فرصة لإعادة رسم موازين الأمن والاستقرار.

غير أنّ هذا المشهد لا يخلو من احتمالات متباينة. فالتاريخ يذكّرنا أنّ الأنظمة المكسورة لا تنكفئ بالضرورة، بل قد تبقى في حالة جرح عميق ومفتوح تحاول خلالها إعادة بناء قدراتها وترميم مشروعها. وهنا يبرز التساؤل المحوريّ. هل قد يفتح ذلك الباب مجدّدًا أمام موجة جديدة من الإرهاب العالميّ، تحمل تداعيات غير محصورة تتجاوز حدود المنطقة؟

الإجابة ليست حتميّة، لكنّها احتمال واقعيّ يستحقّ الوقوف عنده في أيّ حسابات مستقبليّة. ففي لحظات التحوّل الكبرى، قدّم العالم نموذجًا واضحًا لذلك بعد نهاية الحرب الباردة. فعندما تفكّكت شبكات الجهاد التي نشأت في أفغانستان خلال الثمانينات، برز إرهاب تنظيم “القاعدة” على مستوى عالميّ. وبعد سنوات، استغلّ تنظيم “داعش” الفوضى الناتجة عن الحروب في العراق وسوريا ليؤسّس كيانًا إرهابيًّا عابراً للحدود هزّ الإقليم والعالم لسنوات طويلة.

لهذا، يمكن القول إنّ المنطقة تقف اليوم عند مفترق تاريخيّ ومعلّقة أمام احتمالات استراتيجيّة. وعند هذه النقطة بالذات، لن يكون السؤال الأهم أيّ شرق أوسط سيولد لاحقًا وحتمًا، بل أيّ مسار ستختاره القوى الفاعلة بين توجّهين متباينين: شرق أوسط يدخل مرحلة إعادة توازن واستقرار، أم منطقة تبقى معرّضة لتجارب متجدّدة من العنف والإرهاب؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى