أخبار محلية

الجنوب المعزول: كيف تعيد إسرائيل تشكيل ساحة الحرب حول سهل مرجعيون

الجنوب المعزول: كيف تعيد إسرائيل تشكيل ساحة الحرب حول سهل مرجعيون

سعد شعنين

تتسارع المؤشرات العسكرية في جنوب لبنان بطريقة توحي بأن العمليات الإسرائيلية تدخل مرحلة مختلفة عمّا شهدته الأشهر الماضية. فاستهداف الجسور الرئيسية وتدمير اثنين منها، ما أدى إلى قطع الطرق بين منطقة مرجعيون ومناطق شمال نهر الليطاني، لا يمكن النظر إليه كضربة تكتيكية معزولة، بل يبدو جزءاً من نمط عملياتي أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل مسرح العمليات في الجنوب وعزل منطقة القتال عن عمقها الجغرافي.

 

في القراءة العسكرية، تُعدّ ضرب الجسور وقطع الطرق من الخطوات الكلاسيكية التي تسبق أي محاولة لعزل ساحة معركة. فعندما تُدمّر المعابر التي تربط منطقة العمليات بالمناطق الخلفية، تصبح القدرة على نقل الإمدادات أو تحريك التعزيزات العسكرية أكثر صعوبة، ويتحوّل الميدان تدريجياً إلى مساحة شبه معزولة. وهذا ما يبدو أنه يحصل في المنطقة الواقعة بين الحدود اللبنانية الإسرائيلية ونهر الليطاني، حيث يؤدي تدمير الجسور وقطع الطرق إلى تقليص حركة التنقل العسكري واللوجستي بين الجنوب وبقية الأراضي اللبنانية.

 

ضمن هذا السياق يبرز سهل مرجعيون كواحد من أهم المواقع التي تدخل في الحسابات العسكرية في أي مواجهة واسعة في الجنوب. فهذه المنطقة تشكّل مساحة جغرافية مفتوحة نسبياً في منطقة يغلب عليها الطابع الجبلي الوعر، وهو ما يمنحها قيمة ميدانية كبيرة. ففي حين أن الجبال والوديان الضيقة في جنوب لبنان تعيق حركة القوات الكبيرة والآليات الثقيلة، يسمح السهل بحركة أكثر مرونة وانتشار أسرع للقوات، كما يتيح مجالاً واسعاً للمراقبة الجوية والاستطلاع.

 

يقع السهل بمحاذاة الحدود مع شمال إسرائيل ويشكّل ممراً طبيعياً باتجاه منطقة الجليل الأعلى، الأمر الذي جعله تاريخياً جزءاً من المحاور الجغرافية التي تربط جنوب لبنان بشمال إسرائيل. ولهذا السبب كان دائماً موضع اهتمام عسكري منذ الحروب العربية–الإسرائيلية وصولاً إلى المواجهات الحديثة بين إسرائيل وحزب الله، إذ تُعدّ المناطق المفتوحة القريبة من الحدود نقاطاً حساسة يمكن أن تتحول بسرعة إلى مسار حركة للقوات أو إلى ساحة مناورة ميدانية.

 

كما أن أهمية السهل لا تنبع من طبيعته المنبسطة فقط، بل أيضاً من موقعه ضمن شبكة طرق تربط عدة مناطق في الجنوب اللبناني مثل النبطية وحاصبيا. وعندما تُقطع الجسور التي تربط هذه الطرق بالمناطق الواقعة شمال الليطاني، يصبح السهل عملياً جزءاً من منطقة عمليات شبه معزولة، ما يغيّر طبيعة الحركة العسكرية داخل الجنوب.

 

تزداد حساسية هذه المنطقة بسبب وجودها ضمن منظومة جغرافية تحيط بها مرتفعات استراتيجية، أبرزها جبل الشيخ وتلال العرقوب، إضافة إلى المرتفعات المطلة من داخل الجليل الإسرائيلي. هذه المرتفعات تمنح قدرة كبيرة على المراقبة والسيطرة بالنار، ما يعني أن أي نشاط عسكري في السهل يمكن رصده بسهولة نسبية من نقاط مرتفعة، وهو ما يجعل السهل جزءاً من مسرح عمليات مترابط تتحكم به الجغرافيا من عدة مستويات.

 

والمفارقة أن هذا السهل الذي يقف في قلب الحسابات العسكرية هو في الأصل واحد من أهم السهول الزراعية في جنوب لبنان. فالتربة الخصبة والامتداد الجغرافي الواسع جعلا منه منطقة زراعية أساسية تنتشر فيها زراعة الحبوب والخضار والبقوليات إضافة إلى بساتين الزيتون التي تشكّل مصدر دخل لعدد كبير من القرى المحيطة مثل الخيام والقليعة ودير ميماس.

 

كما أن السهل يقع ضمن الحوض البيئي نفسه الذي يضم مناطق زراعية إسرائيلية مهمة مثل سهل الحولة في شمال إسرائيل، حيث تنتشر الزراعات الشتوية التي تعتمد على المناخ البارد في الجليل الأعلى. ولهذا فإن الاستقرار الأمني في المنطقة الحدودية المقابلة لسهل مرجعيون يؤثر مباشرة على النشاط الزراعي في شمال إسرائيل، لأن الحقول القريبة من الحدود غالباً ما تتوقف عن العمل في أوقات التصعيد العسكري.

 

عند جمع هذه المعطيات، يصبح واضحاً أن استهداف الجسور وقطع الطرق بين مرجعيون والليطاني يشير إلى محاولة إعادة تشكيل مسرح العمليات في جنوب لبنان. فهذه الخطوات لا تقتصر على ضرب أهداف محددة، بل تهدف إلى خلق واقع ميداني جديد يتم فيه عزل الجنوب تدريجياً وإضعاف قدرته على الحركة والاتصال بالعمق اللبناني.

 

في قلب هذا المشهد يقف سهل مرجعيون بوصفه نقطة تقاطع بين الجغرافيا العسكرية والاقتصاد الزراعي والأمن الحدودي. فالموقع المفتوح للسهل وقربه من الحدود وارتباطه بشبكة طرق أساسية يجعله جزءاً ثابتاً في الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية، حيث يمكن أن يتحول في أي مواجهة واسعة إما إلى ساحة مناورة عسكرية مفتوحة أو إلى خط دفاع متقدم في معادلة الصراع على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى