Uncategorized

مقال للنائب فؤاد مخزومي في الـ economist: خطة لاستعادة بيروت

لا يمكن لبيروت أن تبقى مدينة تُحكم بالغموض. ففي لحظة يتصاعد فيها الصراع الإقليمي، تواجه الدولة اللبنانية خيارًا واضحًا: إما أن تفرض سلطتها في العاصمة، أو أن تستمر في التنازل عنها لقوى خارج سيطرتها. وفي صلب أزمة لبنان يكمن تناقض أساسي: التعايش بين مؤسسات الدولة وأنظمة قوة موازية لها. وهذا الواقع يجب أن ينتهي.

لقد عادت بيروت مرة أخرى إلى خط المواجهة. فالضربات الإسرائيلية، التي كانت سابقًا تتركّز إلى حد كبير في معاقل حزب الله في الضواحي، اشتدت ووصلت إلى قلب العاصمة، ما أدى إلى إفراغ أحياء سكنية وتعريض المدنيين لمخاطر متزايدة. كما امتدت الحملة إلى الشبكات المالية التابعة لحزب الله، بما في ذلك مؤسسات مثل «القرض الحسن» (الذراع الإقراضي للتنظيم)، التي لطالما عملت في ظل رقابة محدودة من الدولة. ويقول مسؤولون إسرائيليون إن الأسلحة والبنى التحتية العسكرية مدمجة داخل مناطق مدنية.

ومع إعادة تشكيل الحرب لمشهد المنطقة، تواجه بيروت خطر الانزلاق أكثر نحو عدم الاستقرار، عالقة بين الشلل الداخلي والتصعيد الخارجي. هذا ليس وقت الحذر، بل وقت الوضوح. وخارطة الطريق ليست معقدة من حيث المفهوم، لكن التحدي يكمن في التنفيذ.

يجب أن تكون الخطوة الأولى إعلان بيروت مدينة خالية من السلاح. وهذا من شأنه أن يرسم خطًا واضحًا وحاسمًا، يوجّه رسالة لا لبس فيها بأن جميع الأسلحة خارج سيطرة الدولة غير شرعية. وهذه الخطوة ليست رمزية فحسب، بل تؤسس للإطار القانوني والسياسي الذي تقوم عليه جميع الإجراءات اللاحقة. فمن دون هذا الوضوح تصبح عملية التنفيذ انتقائية، وتبقى السلطة مجرد نية لا واقعًا، بدل أن تكون بداية انتقال منظم نحو حصر القوة بيد الدولة وحدها.

أما الخطوة الثانية الضرورية فهي نشر الجيش اللبناني في جميع أحياء بيروت، بما فيها المناطق التي طالما اعتُبرت خارج المتناول سياسيًا أو عسكريًا. فالإعلان من دون حضور ميداني يبقى غير فعّال. إن تعدد مراكز السيطرة يولد عدم الاستقرار، بينما يعيد الانتشار الشامل فكرة المدينة الواحدة الخاضعة لإدارة موحدة.

والخطوة الثالثة تتمثل في إنشاء حواجز أمنية دائمة ونقاط مراقبة في الأحياء. إذ يجب أن يكون الأمن مرئيًا، متوقعًا ومستمرًا. فالحواجز الثابتة والنقاط الأمنية المحلية تشكل العمود الفقري التنفيذي لهذه الخطة. وليس الهدف منها عسكرة الحياة اليومية، بل إعادة الانتظام العام، ومراقبة الحركة، وردع الأنشطة غير المشروعة، وتمكين الاستجابة السريعة.

أما الخطوة الرابعة فهي منح الجيش كامل الصلاحيات لمصادرة الأسلحة غير الشرعية. فمصداقية الخطة تعتمد على التنفيذ. ويجب تزويد القوات المسلحة بصلاحيات قانونية واضحة لتحديد شبكات السلاح غير الشرعي ومصادرتها وتفكيكها. وبهذا يمكن للدولة أن تبدأ باستعادة حضورها عمليًا، لا نظريًا فقط. كما يجب أن يكون التنفيذ مدعومًا بجهاز قضائي فعّال قادر على ملاحقة المخالفات بشكل متّسق ومن دون تدخل سياسي.

وتتمثل الخطوة الخامسة والأخيرة في اعتماد عقيدة أمنية تقودها الدولة لحماية المواطنين ومنع التصعيد. فلا يمكن أن يكون الأمن رد فعل فقط، بل يجب أن يكون استراتيجيًا. ويجب أن تشمل هذه العقيدة إجراءات واضحة لحماية المدنيين، واستجابة طارئة سريعة، وتعزيز الرقابة الإدارية. كما أن توسيع نطاق الحوكمة ليشمل تفاصيل الحياة اليومية، مثل إلزام تسجيل عقود الإيجار، من شأنه تعزيز الشفافية والحد من سوء استخدام الفضاءات الحضرية. وهنا يتحول التنفيذ إلى حوكمة فعلية.

ولعقود طويلة، جرى تأجيل القرارات الصعبة باسم التوافق. وفي الواقع، كان ذلك يعني الجمود. وما يتطلبه هذا الظرف هو إرادة سياسية، واستعداد للتحرك رغم الانقسام، وهدف نهائي واضح: احتكار الدولة وحدها لحق استخدام القوة.

وهذا يقود حتمًا إلى التركيز على حزب الله، بوصفه في آن واحد فاعلًا سياسيًا وتنظيمًا مسلحًا يمتلك نفوذًا داخليًا واسعًا وروابط إقليمية عميقة. إن تجاهل هذه الحقيقة لم يمنع المواجهة، بل أدى فقط إلى تأجيلها وتضخيمها.

ولا يمكن أن يكون الهدف مواجهة متهورة قد تجر البلاد إلى صراع داخلي، كما لا يمكن أن يكون التعايش السلبي خيارًا. إن المسار الوحيد القابل للحياة هو عملية منظمة ومحددة زمنياً تستند إلى مبدأ واضح: الأمن، بما في ذلك السيطرة على جميع الأسلحة، هو مسؤولية الدولة وحدها.

غير أن إعادة فرض السلطة داخل بيروت لن تكون كافية إذا استمر تدفق الأسلحة والموارد من دون ضبط. فالسيطرة على الحدود والمرافئ وسلاسل الإمداد ضرورية لمنع إعادة التسلح وضمان استدامة أي مكاسب تتحقق داخل المدينة.

وفي الوقت نفسه، فإن كلفة التقاعس باتت واضحة. ففي الأيام الأخيرة، أُفرغت مناطق مثل الضاحية الجنوبية لبيروت بفعل إنذارات الإخلاء وتعرضت لقصف متكرر. وفي مثل هذه اللحظات، امتلكت الدولة فرصة نادرة للتحرك الحاسم وفرض السيطرة، لكنها لم تُغتنم.

كما زادت الديناميات الخارجية من هشاشة لبنان. فالحملة العسكرية الإسرائيلية المستمرة، وإن قُدّمت باعتبارها تستهدف تهديدات أمنية، ألحقت أضرارًا جسيمة بالمناطق الحضرية والبنية التحتية المدنية. ومثل هذا النهج قد يكون ذا نتائج عكسية استراتيجيًا. فإضعاف مؤسسات الدولة اللبنانية لا يزيل عدم الاستقرار، بل يعمّقه.

ومع ذلك، لا يمكن فصل التدخل الخارجي عن فشل لبنان الداخلي في فرض سلطته. فعندما لا تتحرك الدولة، يتحرك غيرها حتمًا، وغالبًا بقوة أكبر وباهتمام أقل بحماية المدنيين. فممارسة السيادة شرط أساسي للدفاع عنها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى