أخبار محليةمقالات صحفية

د. ميلاد السبعلي : حرب السرديات ووقائع الميدان

حرب السرديات ووقائع الميدان

— من وهم الحسم إلى منطق الكلفة والتفاوض في الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران ولبنان

المقدمة

لم تكن هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران وحلفائها من جهة أخرى، بل كانت أيضاً حرباً على السردية نفسها: كيف تُعرَّف الأهداف، وكيف يُعلَن النصر، وكيف تُسوَّغ الهدنة. فقد بدأت بخطابات واثقة عن الحسم السريع وتغيير المعادلات، ثم انتهت خلال أسابيع إلى هدنة هشة، ومفاوضات معقدة، وجبهات مفتوحة، وأسئلة عجزت القوة النارية وحدها عن حسمها.

كتب كل طرف الحرب بلغته الخاصة: الولايات المتحدة كعملية لكسر القدرة الإيرانية وإعادة رسم الردع، و”إسرائيل” كمعركة لإزالة “التهديد الوجودي” وإنهاء خطر إيران وحزب الله معاً، وإيران بسردية الصمود وتعظيم الكلفة، فيما تحول لبنان مرة أخرى إلى ساحة تتقاطع فيها السرديات الخارجية مع انقساماته الداخليةلكن الميدان، في النهاية، لم يطابق النصوص الأولى، بل أجبر الجميع على تعديل أهدافهم، أو على الأقل إعادة صياغتها وتقديمها.

السردية الأميركية: من الحسم إلى تبرير الهدنة

بدأت واشنطن الحرب بلغة حاسمة: تدمير القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية، شلّ بنيتها العسكرية، منعها من امتلاك سلاح نووي، وكسر قدرتها على تهديد الولايات المتحدة وحلفائها، مع إيحاءات تجاوزت ذلك أحياناً نحو تغيير سياسي داخلي في طهران، إن لم يكن فتح الباب أمام تبدل في بنية الحكم نفسها.

لكن الميدان سرعان ما فرض إيقاعاً مختلفاً: إيران لم تسقط، والنظام لم ينهَر، والصواريخ والمسيّرات استمرت في الوصول، وكلفة الحرب ارتفعت على الإقليم وعلى واشنطن أكثر بكثير مما أوحت به لغة البداية. عندها بدأ الخطاب الأميركي يتأرجح بين التهديد بمواصلة الضرب والحديث عن فرصة سياسية، إلى أن انتهى إلى هدنة ومفاوضات.

لذلك، حين أعلنت واشنطن في 8 نيسان/أبريل أن “الأهداف العسكرية الاستراتيجية الجوهرية” قد تحققت، لم يكن ذلك مجرد وصف عسكري، بل جهداً سياسياً مقصوداً لإعادة تقديم الهدنة بوصفها ثمرة نصر خالص، لا نتيجة حرب أطول وأعقد، ولا نتيجة صمود إيراني أجبر الولايات المتحدة على تعديل سرديتها من دون اعتراف صريح بذلك.

السردية الإسرائيلية: ثبات اللغة وتآكل الوعود

بدأت “إسرائيل” الحرب بسردية قصوى على جبهتين: في إيران، إزالة “التهديد الوجودي” وتفكيك البنية النووية والصاروخية، مع إيحاءات من نتنياهو بإمكان تغيير النظام؛ وفي لبنان، تصوير حزب الله كقوة مكسورة منذ حرب 2024، وجنوب الليطاني كساحة شبه منزوعـة السلاح، بما يجعل أي توغل إسرائيلي أقرب إلى عملية سهلة لا إلى معركة فعلية. وضمن هذا المنطق، ظهرت “إسرائيل” كأنها تنفذ بالقوة ما عجزت الدولة اللبنانية عن فرضه منذ تفاهم 2024، أي دفع مسار نزع السلاح إلى مداه الأقصى.

لكن الميدان سرعان ما بدد هذه الوعود. ففي إيران، استمرت الصواريخ والمسيّرات في بلوغ “العمق الإسرائيلي” رغم الضربات العنيفة، فسقطت صورة الحسم السريع والسيطرة الكاملة. وفي لبنان، سقطت رواية “النزهة” بدورها، بعدما أثبت القتال في القرى الأمامية أن الحزب أبعد من أن يكون قوة منتهية.

وبدل أن تواجه “إسرائيل” هذه الحقيقة، لجأت إلى تضخيم السردية الأيديولوجية، عبر الإيحاءات التوراتية والأسماء ذات الحمولة الصهيونية، لإبقاء الداخل مشدوداً إلى أوهام التفوق و”إسرائيل الكبرى”، وكأن الحرب ما زالت تمضي نحو تغيير وجه الشرق الأوسط نهائياً، رغم أن الميدان كان يكشف أن الأهداف المعلنة لم تتحقق. وهكذا تبدلت الأهداف العسكرية الفعلية من الحسم إلى الاستنزاف، ومن إنهاء الخطر إلى إدارته، ومن الرهان على نهاية نظيفة إلى محاولة فصل المسار اللبناني عن الإيراني. وفي هذا السياق لا يبدو القصف الوحشي لبيروت في 8 نيسان/أبريل مجرد تصعيد عسكري منفصل، بل محاولة لتعويض الإخفاق الميداني عبر تعميم التدمير، بعدما عجزت الوقائع عن منح “إسرائيل” ذلك الحسم الذي وعدت به جمهورها.

السردية الإيرانية: من الدفاع إلى إعادة تعريف النصر

لم تبدأ إيران الحرب بسردية النصر العسكري المباشر، بل بسردية الدفاع والصمود: امتصاص الضربة، والحفاظ على تماسك النظام، والاستمرار في الرد كي لا تتحول الحرب إلى انهيار داخلي سريع. لكن مع تقدم الميدان، وعدم سقوط النظام، واستمرار إطلاق الصواريخ والمسيّرات، وتحويل هرمز والطاقة والملاحة إلى أوراق ضغط إقليمية ودولية، بدأت السردية الإيرانية تتبدل.

فلم تعد طهران تكتفي بالقول إنها تصمد، بل راحت تعيد تقديم هذا الصمود بوصفه تحولاً في جوهر الحرب نفسها: فالخصم الذي دخل المعركة بلغة الحسم لم يسقط النظام، ولم يمنع الرد، واضطر في النهاية إلى الانتقال من الضرب المفتوح إلى الهدنة والتفاوض. وهكذا تحولت السردية الإيرانية من خطاب الدفاع والصمود إلى خطاب أكثر طموحاً، يعتبر أن مجرد البقاء، واستمرار القدرة على الإيذاء، وفرض الانتقال إلى التفاوض، ليس مجرد تفادي للهزيمة، بل شكلاً من أشكال الانتصار الاستراتيجي.

هرمز والفيتو المزدوج: تدويل الحرب

وتعزز هذا التحول مع استخدام إيران مضيق هرمز كسلاح استراتيجي، فخرجت الحرب من حدود الملف النووي والصاروخي إلى أمن الطاقة والملاحة وكلفة الصراع على الإقليم والعالم.

ومن هنا اكتسب الفيتو الروسي–الصيني المزدوج في 7 نيسان/أبريل أهمية خاصة، لأنه لم يسقط مشروع قرار تقنياً فحسب، بل منع أيضاً تحويل أزمة هرمز إلى شرعية دولية جديدة لاستخدام القوة وفرض الإرادة الأميركية بحراً واقتصاداً. وهكذا اكتملت السردية الإيرانية الجديدة: لقد دفعت إيران ثمناً عسكرياً ومادياً باهظاً، لكنها منعت خصومها من تحويل تفوقهم الناري والجوّي إلى نصر سياسي نهائي.

لبنان: ثلاث سرديات واختبار واحد

وإذا كان هرمز قد نقل الحرب إلى مستوى الاقتصاد العالمي والتوازنات الدولية، فإن الجنوب اللبناني أعادها إلى سؤال أكثر قسوة: حدود القوة البرية الإسرائيلية وحدود قدرة الدولة اللبنانية على مواكبة ما يفرضه الميدان.

ففي لبنان، لم تتشكل خلال الحرب سردية واحدة، بل ثلاث سرديات متنافسة اختبرها ميدان الجنوب يومياً. السردية الرسمية قدّمت نفسها بوصفها “سيادية”: من حظر الأنشطة العسكرية لحزب الله بعد دخوله الحرب، إلى التشديد على حصرية قرار السلم والحرب والتفاوض بيد الدولة، ثم عبارة “لا أحد يفاوض عن لبنان” بعد هدنة إسلام آباد، بما فُهم أحياناً كفصل للبنان عن المسار الأميركي–الإيراني.

لكن هذه السردية لم تبقَ مستقرة على خط واحد. فبعد ضربات 8 نيسان/أبريل، تحركت الحكومة لوقف الهجمات، ثم عاد خطابها إلى الحديث عن وقف نار يعقبه تفاوض مباشر، وعن بسط سلطة الدولة على بيروت، قبل أن يُقدَّم قبول “إسرائيل” بمبدأ التفاوض كأنه إنجاز دبلوماسي لبناني. وفي هذا كله، جرى التقليل من أثر الضغط الإيراني على واشنطن، والذي كان من العوامل الأساسية في دفع ترامب إلى الضغط على نتنياهو لخفض التوتر وقبول التفاوض، الذي كان قد رفضه مراراً.

في المقابل، تمسكت الأحزاب المناوئة لحزب الله بسردية أكثر جموداً، تلقفت الرواية الأميركية–الإسرائيلية الأولى عن إضعاف إيران وكسر الحزب، وراهنـت على حرب طويلة تنتهي، في أقصى طموحاتها، إلى سلام مع “إسرائيل” بوصفه الطريق إلى إنهاء السلاح والنفوذ الإيراني. أما الفريق الداعم لحزب الله فبنى سردية معاكسة: لا فصل بين لبنان وإيران، ولا شرعية لأي تفاوض مباشر، وأي إخراج للبنان من الهدنة الأميركية–الإيرانية ليس سيادة بل تغطية للعدوان.

لكن الميدان في الجنوب أربك الجميع. فصمود حزب الله وتعطيله “النزهة” الإسرائيلية المتخيلة جنوب الليطاني لم يربك “إسرائيل” وحدها، بل أربك خصومه في الداخل وحتى السردية الحكومية نفسها، لأن الوقائع كانت تقول بوضوح إن الحزب لم يخرج من المعادلة، وإن ميزان القوى أعقد من أن يُحسم بخطاب سياسي أو قرار حكومي. وهكذا تبيّن أن السرديات اللبنانية الثلاث لم تكن مستقلة عن الخارج: سردية الحزب تناغمت مع السردية الإيرانية، والسردية الحكومية تحركت ببطء مع تبدل السردية الأميركية، أما سردية خصوم الحزب فبقيت الأقرب إلى الجمود الإسرائيلي.

التفاوض الأميركي–الإيراني: من يفرض معنى الهدنة؟

لا تبدأ مفاوضات إسلام آباد من فراغ، بل من صراع على تفسير ما جرى. واشنطن تريد تثبيت أن الحرب توقفت بعد تحقيق أهدافها العسكرية، وأن التفاوض استثمار للنصر. أما طهران فتريد تثبيت معنى معاكس: لقد صمدنا، ولم يسقط النظام، وبقي هرمز ورقة ضغط، وبالتالي فإن الهدنة ليست هزيمة بل اعترافاً أميركياً بأن استمرار الحرب صار أعلى كلفة من إنهائها.

لذلك ستدخل واشنطن المفاوضات وهي تريد منع إيران من تحويل الصمود إلى مكسب استراتيجي كامل، عبر إخراج هرمز من “منطق الابتزاز”، وفرض قيود على البرنامجين النووي والصاروخي، ومنع إعادة بناء القدرة العسكرية بسرعة. أما إيران فستدخل بأولويات مختلفة: ضمان عدم استئناف الحرب، فتح باب تخفيف العقوبات وإعادة الإعمار، والاحتفاظ بجوهر ردعها السياسي والنووي المدني من دون أن يبدو التفاوض استسلاماً.

ومن هنا، لا تبدو الأرضية المشتركة صفقة نهائية، بل تفاهم متعدد الطبقات: تمديد الهدنة، تثبيت حرية الملاحة، ترتيبات نووية وصاروخية مرحلية، ثم بحث إقليمي موازٍ حول لبنان والعراق وأمن الخليج. أي إن الحرب لم تنتهِ فعلاً، بل انتقلت من الميدان إلى طاولة التفاوض.

لبنان و”إسرائيل”: تفاوض تحت النار

تبقى العقدة الأخطر في لبنان، بصرف النظر عن الموقف من أصل فكرة التفاوض المباشر مع العدو. فإسرائيل تريد فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني، وتحويل الحرب هناك إلى مكسب سياسي مباشر يبدأ من نزع سلاح حزب الله، وربما يتوسع لاحقاً إلى ما هو أبعد. أما الدولة اللبنانية فترفع معادلة مغايرة: وقف إطلاق النار أولاً، ثم تفاوض مباشر، والدولة وحدها تفاوض باسم لبنان. لكن هذه السردية بقيت ملتبسة ومتقلبة، إذ انتقلت من التشديد على أن لا أحد يفاوض عن لبنان، بما أوحى أحياناً بفصل لبنان عن هدنة إسلام آباد، إلى السعي لاحقاً لإدخاله في منطق التهدئة، ثم إلى تصوير قبول نتنياهو بمبدأ التفاوض كأنه إنجاز دبلوماسي بحد ذاته، مع تقليل واضح من أثر الضغط الإيراني في دفع هذا المسار.

وهنا تبرز الأسئلة الحاسمة: هل تملك الحكومة اللبنانية فعلاً القدرة على انتزاع وقف للاعتداءات قبل التفاوض، أم أنها ستذهب إلى تفاوض تحت النار؟ ثم، هل تستطيع إيران الاستمرار في التفاوض مع أميركا إذا استمرت الضربات الإسرائيلية على لبنان، أم أنها ستجعل وقفها شرطاً لبقاء المسار؟ في الجوهر، يبدو المشهد كأنه تسابق بين مسعى إيراني يريد إبقاء هدنة لبنان جزءاً من الورقة الإقليمية، ومسعى آخر مدعوم غربياً، يريد منح الدولة اللبنانية هدنة إسرائيلية مباشرة تعزز فصل المسارين.

أما حزب الله وحلفاؤه فيرفضون أي تفاوض مباشر تحت النار، فيما يواصل خصومه الرهان على مسار طويل يفضي إلى كسره وفتح الباب أمام سلام مع “إسرائيل”. لكن الميدان أظهر سريعاً أن الدولة لا تملك حسم ملف السلاح فوراً، وأن “إسرائيل” لا تريد مفاوضات مفتوحة بلا نتيجة. لذلك، يبدو السيناريو الأكثر ترجيحاً هو تفاوض تدريجي: وقف نار وضمانات أولاً، ترتيبات حدودية وأمنية ثانياً، ثم انفجار الخلاف الحقيقي عند ملف السلاح.

الإقليم الذي يُفاوض عليه الغائبون

إذا وسّعنا المشهد، بدا واضحاً أن “إسرائيل” والخليج ولبنان ليسوا على الطاولة الأميركية–الإيرانية، لكن مصائرهم مطروحة عليها. دول الخليج تريد اتفاقاً يفتح هرمز ويوقف تهديد الطاقة، لكنها تخشى أن تنتهي الصفقة إلى تثبيت إيران قوة إقليمية باقية من دون قيود كافية. و”إسرائيل” قد تتعايش مع اتفاق يجمّد إيران إذا أبقى لها حرية الحركة في لبنان والشام وفلسطين، لكنها ستقاوم أي تفاهم يقيّد استخدامها للجبهة اللبنانية لتعويض ما لم تحققه في إيران.

أما لبنان، فليس فقط الحلقة الأضعف، بل الساحة التي يُراد أن تُحسم عليها بالقوة مسألة لا تملك الدولة القدرة على حسمها، وهي سلاح حزب الله. لذلك تلاقت السردية الإسرائيلية مع سرديات لبنانية مناوئة للحزب في اعتبار أن “إسرائيل” تنفذ ما عجزت الدولة عن تنفيذه منذ تفاهم 2024، فيما ظلت تل أبيب تشكك أصلاً في قدرة الحكومة اللبنانية على الالتزام بأي تفاوض في هذا الملف.

ولهذا، فإن النظام الأمني الإقليمي الذي قد يخرج من الحرب لن يكون مجرد منظومة لاحتواء إيران في الخليج وهرمز، بل ترتيباً أوسع يكرّس بقاء حضورها، المباشر أو عبر حلفائها، في ساحات عربية أساسية، وفي مقدمها لبنان. فإسرائيل لم تنجح في تحقيق وعدها المركزي بالقضاء على حزب الله، ولذلك لن يخرج لبنان من الحرب بلا حزب الله، بل بحزب قد يكون أضعف لكنه باقٍ، وبسلاح لا يزال عالقاً بين منطق الدولة ومنطق المقاومة. وبذلك، فإن أمن الجليل لن يُحسم على الطريقة الإسرائيلية، لأن ما عجزت “إسرائيل” عن فرضه بالحرب لن تنتزعه بسهولة على طاولة التفاوض.

خاتمة: الحرب التي أعادت كتابة نفسها

الخلاصة الأرجح أن هذه الحرب لن تنتهي بتسوية حاسمة أو بولادة نظام إقليمي مستقر دفعة واحدة، بل بتفاهمات تمنع الانفجار الأكبر من دون أن تزيل أسباب الصراع. وفي قلب هذه التفاهمات ستبقى حاجة الخليج إلى ضمانات فعلية لأمن الطاقة والملاحة والبنية الحيوية، بعدما كشفت الحرب هشاشة الصورة التي بُنيت طويلاً عن المنطقة بوصفها فضاءً آمناً ومستقراً وجاذباً للاستثمارات. لذلك، فإن أي اتفاق قابل للحياة لن يكون اتفاق إخضاع، بل تسوية خشنة هدفها خفض الكلفة ومنع الانفجار التالي.

أما في لبنان، فالسقف الواقعي لأي تفاوض موازٍ مع “إسرائيل” يبقى أدنى كثيراً من أوهام البداية. فالحرب لم تمنح “إسرائيل” القدرة على فرض نزع سلاح حزب الله، كما لم تمنح الدولة اللبنانية القدرة على حسم هذا الملف بالتفاوض وحده. وعليه، فإن أقصى ما يمكن أن ينتجه المسار هو ترتيبات أمنية طويلة الأمد، وتطمينات متبادلة، وضبط أشد للدور الإقليمي للحزب، مع بقائه قوة حاضرة في المعادلة اللبنانية. وفي المقابل، لن يقود هذا المسار أيضاً إلى إقصاء خصومه أو محاسبتهم كما بشرت سردية المقاومة، لأن ميزان ما بعد الحرب لا يصنع غلبة داخلية حاسمة، بل يكرّس توازناً لبنانياً أكثر هشاشة وانكشافاً.

ومن هنا، فإن المستقبل القريب لا يتجه إلى “شرق أوسط جديد” كما بشرت به “إسرائيل” وبعض حلفائها وخصوم حزب الله في لبنان، بل إلى إقليم أكثر تعقيداً: إيران باقية وإن كانت مجروحة، الخليج أكثر وعياً بهشاشة أمنه، “إسرائيل” أبعد عن الحسم مما وعدت جمهورها، ولبنان خارج من الحرب بأزمة أعمق لا بدولة حاسمة ولا بطرف مهزوم. وإلى جانب ذلك، كشفت الحرب أيضاً أن أي إعادة تشكيل للإقليم لم تعد مسألة إقليمية صرفة، بل باتت محكومة كذلك بسقف التوازنات الدولية وحدود القدرة الأميركية على فرض إرادتها منفردة في ظل اعتراضات قوى كبرى كروسيا والصين. وإذا كانت هذه الحرب قد بدأت بوعد الحسم وانتهت إلى هدنة تفاوضية، فإن دلالتها الأعمق تكمن في أن التفوق الناري، مهما اتسع، لم يعد كافياً وحده لفرض النص الأخير للحرب، حين يواجه إرادات قادرة على القتال بأدوات أقل كلفة وتدميراً، لكنها أعلى مرونة وفعالية وأطول نفساً في الاستنزاف. وما قد تؤول إليه المفاوضات، إذا استمرت، ليس انتصاراً صافياً لأحد، بل إعادة توازن قلق ومؤقت. أما إذا فشلت المفاوضات، فسيبقى السؤال مفتوحاً بإلحاح: هل لا تزال لدى الأطراف التي بدأت الحرب أهداف قابلة للتحقيق بكلفة لا تهدد الاقتصاد العالمي والتوازنات الدولية، أم أن كلفة الحرب نفسها ستفرض، ولو بصعوبة، استمرار التفاوض حتى الوصول إلى تسوية إقليمية قابلة للحياة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى