
ليس عيد العمل مناسبة احتفالية عابرة، ولا هو يوم لتكريم فئة مهنية بمعناها الضيق فقط. إنّه، في جوهره الأعمق، يوم لإعادة التفكير في معنى العمل نفسه: هل العمل مجرّد جهد عضلي؟ هل العامل هو فقط من يقف في المصنع أو الحقل؟ أم أنّ العمل هو كل فعل إنتاجي يضيف إلى حياة المجتمع معرفةً أو غذاءً أو صناعةً أو تنظيماً أو قدرةً جديدة؟
من هنا تكتسب عبارة أنطون سعاده في الأول من أيار 1949 معناها الاستشرافي العميق: «أيها المنتجون علماً وفكراً وغلالاً وصناعة». لم يقل: أيها العمال فقط، ولم يحصر الإنتاج في الزراعة والصناعة، بل وسّعه ليشمل العلم والفكر والمعرفة. بهذا المعنى، لم يكن يتحدث عن الاقتصاد بوصفه حركة مال وسلع فحسب، بل عن الاقتصاد بوصفه بنية حياة. فالأمة لا تحيا بالخبز وحده، ولا بالمصنع وحده، ولا بالآلة وحدها، بل تحيا حين تتكامل فيها قوى المعرفة والإنتاج والتنظيم والعدالة.
هذه الرؤية تبدو اليوم أكثر حداثة مما بدت في أربعينيات القرن الماضي. ففي زمن كانت فيه المدارس الاقتصادية الكبرى تتنازع بين الرأسمالية الليبرالية والماركسية، وبين السوق المطلقة والدولة المطلقة، كان سعاده يفتح أفقاً ثالثاً: الاقتصاد ليس طبقة ضد طبقة فقط، ولا سوقاً بلا مجتمع، ولا دولةً تصادر المجتمع باسم العدالة. الاقتصاد، في رؤيته، هو نظام إنتاج قومي اجتماعي، يقوم على الإنسان المنتج، وعلى المعرفة، وعلى العدالة، وعلى تحرير المجتمع من الإقطاع والاستغلال والتبعية.
واللافت في رؤية سعاده أنّها تجاوزت، في وقت مبكر، حدود المدرستين اللتين سيطرتا على القرن العشرين: الماركسية والرأسمالية الليبرالية. فهو لم يقبل بالتصور الرأسمالي الذي يختزل العمل في كونه سلعة تُباع في السوق، ويختزل الإنسان في وظيفته الاقتصادية، ويترك قوى المال والاحتكار تتحكم بالإنتاج والثروة والمصير الاجتماعي. كما لم يقبل، في المقابل، بالتصور الماركسي الذي يحصر المجتمع في صراع الطبقات، ويجعل المسألة الاقتصادية تدور حول ملكية وسائل الإنتاج وحدها، من دون أن يرى الأمة بوصفها وحدة حياة ومعرفة وثقافة ومصير. نقد سعاده الرأسمالية لأنها تفصل الاقتصاد عن العدالة الاجتماعية وتحول العالم إلى سوق، ونقد الماركسية لأنها تفصل الاقتصاد عن حقيقة المجتمع القومي وتختزل الإنسان في موقعه الطبقي. لذلك قدّم تصوراً أوسع: العمل ليس مجرد قوة عضلية، والإنتاج ليس مجرد صناعة أو زراعة، والمجتمع ليس ساحة صراع اقتصادي فحسب، بل هو كيان حيّ ينتج معرفة وقوة وثقافة ونظاماً وعدالة. وبهذا المعنى، سبق سعاده زمنه حين وضع العلم والفكر في صميم الإنتاج، مستشرفاً ما سيُعرف لاحقاً باقتصاد المعرفة، ومتجاوزاً المدرستين معاً نحو رؤية ثالثة تجعل الاقتصاد وظيفة من وظائف النهضة، لا أداة للربح المنفلت ولا ميداناً لصراع طبقي مغلق.
ولعلّ الأهم في هذه الرؤية أنّها لم تفصل بين العمل والمعرفة. فالمنتج عند سعاده ليس فقط من ينتج القمح أو الحديد أو النسيج، بل أيضاً من ينتج فكرة، ونظرية، واختراعاً، ومؤسسة، ومنهجاً، ومدرسة، ورؤية. قبل أن يصبح مصطلح «اقتصاد المعرفة» شائعاً بعقود طويلة، كان هذا التصور يضع المعرفة في قلب العملية الإنتاجية. فالعلم ليس زينة ثقافية، والفكر ليس ترفاً نخبوياً، بل هما جزء من قوة الأمة الإنتاجية. والمجتمع الذي لا ينتج معرفة سيبقى محكوماً باستهلاك معرفة الآخرين، كما أنّ المجتمع الذي لا ينتج أدواته سيبقى مرتهناً لمن يملك الصناعة والتكنولوجيا.
بل إنّ إدخال العلم والمعرفة والفكر في صميم مفهوم الإنتاج لا يعني إنشاء قطاع معرفي منفصل عن الزراعة والصناعة، بل يعني إعادة بناء كل القطاعات التقليدية على أساس معرفي جديد. فالزراعة التي تستند إلى البحث العلمي، والبيانات، والهندسة الحيوية، وإدارة المياه، والذكاء الاصطناعي، لا تبقى زراعة بدائية مرتبطة بالموسم والصدفة، بل تتحول إلى أمن غذائي منظم. والصناعة التي تستند إلى التصميم، والبرمجيات، والروبوتات، والمواد المتقدمة، لا تبقى مجرد تحويل يدوي للمواد، بل تصبح قدرة استراتيجية على إنتاج القيمة والسيادة. وحتى الدفاع، بوصفه أحد أوجه الأمن القومي، لم يعد قائماً على السلاح التقليدي وحده، بل على المعرفة العلمية والتكنولوجية: أنظمة الرصد والإنذار المبكر، الأمن السيبراني، الطائرات المسيّرة، التطبيقات الدفاعية الذكية، والقدرة على ابتكار أدوات ردع تحمي المجتمع وبناه التحتية وقراره المستقل. بهذا المعنى، يصبح العلم والفكر والمعرفة قوة إنتاجية شاملة، لا ترفع مستوى الاقتصاد فقط، بل تعزز مناعة الأمة، وتحول الإنتاج من نشاط معيشي محدود إلى قاعدة من قواعد السيادة والأمن والنهضة.
من هنا أيضاً نفهم عبارته الأخرى: «المجتمع معرفة، والمعرفة قوة». ليست هذه عبارة فلسفية مجردة، بل قاعدة اقتصادية وسياسية في آن. فالمجتمع لا يصبح قوياً بمجرد عدد سكانه، ولا بمساحة أرضه، ولا بثرواته الطبيعية فقط، بل بقدرته على تحويل هذه العناصر إلى معرفة منظمة، وإنتاج فعّال، ومؤسسات قادرة، وعدالة تحفظ تماسكه الداخلي. فالثروة التي لا تديرها معرفة تتحول إلى تبديد، والعمل الذي لا يرافقه علم يبقى محدود الإنتاجية، والآلة التي لا يملك المجتمع شروط استخدامها تصبح وسيلة سيطرة لا وسيلة تحرير.
وهنا يظهر موقف سعاده المتقدم من الآلة. فهو لم يكن ضد الآلة، ولا ضد التقدم التقني، ولا ضد التصنيع. على العكس، كان يرى في الآلة إمكانية لتحرير الإنسان من الأعمال الشاقة والمرهقة. لكنه كان ضد النظام الذي يستخدم الآلة لتعميق السيطرة، وتركيز الثروة، وإنتاج التفاوت داخل المجتمع الواحد وبين المجتمعات. المشكلة ليست في الآلة، بل في من يملكها، وكيف تُستخدم، ولأي غاية، وضمن أي نظام اجتماعي. فالآلة قد تكون أداة تحرير إذا وُضعت في خدمة الإنسان والمجتمع، وقد تصبح أداة استعباد إذا وُضعت في خدمة الاحتكار والربح المنفلت.
وهذه المسألة بالذات تعود اليوم بقوة في عصر الذكاء الاصطناعي والأتمتة والمنصات الرقمية. فالسؤال لم يعد: هل نقبل التكنولوجيا أم نرفضها؟ هذا سؤال قديم وساذج. السؤال الحقيقي هو: من يملك التكنولوجيا؟ من يتحكم بالبيانات؟ من يستفيد من الإنتاجية الجديدة؟ هل تؤدي الآلة الذكية إلى تحرير وقت الإنسان وتوسيع قدراته، أم إلى إقصائه من العمل، وتركيز الثروة في يد قلة تملك الخوارزميات والمنصات والبنية التحتية الرقمية؟
بهذا المعنى، فإنّ نقد سعاده للنظام الذي يستغل الآلة يبدو اليوم نقداً مبكراً للرأسمالية الرقمية المتوحشة. فقد تحولت بعض نماذج العولمة الحديثة إلى بنى اقتصادية تنظر إلى العالم كسوق مفتوحة لا كمجتمعات لها خصوصياتها وحاجاتها وحقوقها. نُقلت المصانع إلى حيث اليد العاملة أرخص، وتحوّلت دول كثيرة إلى أسواق استهلاك، بينما احتكرت دول أخرى التكنولوجيا، والتصميم، والتمويل، وسلاسل القيمة العليا. فبقيت مجتمعات في موقع إنتاج المواد الأولية أو الاستهلاك النهائي، بينما استقرت القيمة الكبرى في مراكز المعرفة والتصنيع المتقدم والملكية الفكرية.
لكن العالم بدأ يعيد النظر في هذا النموذج. بعد صدمات العولمة المفتوحة، والأزمات المالية، والجائحة، واضطرابات سلاسل الإمداد، والحروب التجارية، عاد الحديث في الدول الغربية نفسها عن ضرورة استعادة الإنتاج المحلي، وإعادة التصنيع، وحماية الأمن الغذائي والتكنولوجي، وربط الاقتصاد بالسيادة الوطنية والاجتماعية. وهذا ما يجعل أفكار سعاده أكثر راهنية: لا يكفي أن تكون الأمة سوقاً، ولا يكفي أن تستورد ما تحتاجه، ولا يكفي أن تستهلك منتجات الآلة التي يملكها الآخرون. الأمة الحية هي التي تنتج غذاءها، وصناعتها، ومعرفتها، ونظامها الاجتماعي.
ومن هنا كان ربطه بين الاقتصاد والعدالة الاجتماعية ربطاً بنيوياً لا خطابياً. فإلغاء الإقطاع، وتنظيم الاقتصاد على أساس الإنتاج، وضمان حق المواطن في العمل، وحقه في نصيب عادل مما ينتجه، ليست شعارات عاطفية. إنها شروط لاستقرار المجتمع. فالإنتاج من دون عدالة يولّد الانقسام. والعدالة من دون إنتاج تتحول إلى توزيع للفقر. أما النهضة الحقيقية فتقوم على الاثنين معاً: توسيع قاعدة الإنتاج، وتوزيع ثماره بصورة تحفظ الكرامة، وتحفّز المبادرة، وتمنع الاحتكار والاستغلال.
لذلك، فإنّ عيد العمل يجب أن يكون عيد المنتجين جميعاً: الفلاح الذي يحمي الأرض من التصحر والإهمال، والعامل الذي يحوّل المادة إلى قيمة، والمهندس الذي يصمم، والمعلم الذي يبني العقول، والطبيب الذي يحفظ الحياة، والباحث الذي يفتح آفاق المعرفة، والمبرمج الذي يطوّر الأدوات الرقمية، والفنان الذي يصوغ الوجدان، وصاحب المؤسسة الذي يخلق فرص العمل حين يربط الربح بالمسؤولية الاجتماعية. كل هؤلاء يشكلون «أوردة الحياة وشرايين القوة» في جسد الأمة.
لكن هذا المعنى الواسع لعيد العمل يفرض علينا أيضاً مسؤولية واسعة. فلا يجوز أن يبقى العمل في مجتمعاتنا مجرد بحث فردي عن راتب، ولا أن يبقى الاقتصاد مجرد إدارة أزمات مالية، ولا أن تبقى الدولة جهاز جباية عاجزاً عن صناعة رؤية إنتاجية. المطلوب هو انتقال من اقتصاد الريع والاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج والمعرفة. انتقال من انتظار التحويلات والمساعدات إلى بناء قطاعات قادرة على توليد القيمة. انتقال من المدرسة التي تخرّج حافظين إلى المدرسة التي تخرّج منتجين للمعرفة. انتقال من الجامعة المعزولة عن حاجات المجتمع إلى الجامعة المرتبطة بالصناعة والزراعة والتكنولوجيا والسياسات العامة.
إنّ عيد العمل، بهذا المعنى، ليس عيد الحنين إلى العامل القديم فقط، بل عيد الإنسان المنتج في كل عصر. وهو اليوم عيد المزارع الذكي، والمصنع المؤتمت، والمختبر، والشركة الناشئة، والمنصة الوطنية، والمدرسة الحديثة، والجامعة الباحثة، والدولة التي تفهم أن السيادة لا تُحمى بالخطب وحدها، بل بالقدرة على الإنتاج.
هكذا يصبح العمل فعلاً حضارياً. فالعمل ليس فقط وسيلة للعيش، بل وسيلة لصناعة الأمة. وليس الإنتاج مجرد رقم في الناتج المحلي، بل تعبير عن مستوى وعي المجتمع وتنظيمه وعدالته. وحين يتكامل العلم والفكر والغلال والصناعة، لا يعود المجتمع كتلة بشرية تبحث عن النجاة، بل يصبح أمة حية تمتلك أسباب القوة.
في عيد العمل، لا نكرّم اليد وحدها، بل نكرّم العقل واليد معاً. لا نحتفل بالوظيفة فقط، بل بالقدرة على الخلق. لا نرفع شعار العدالة ضد الإنتاج، ولا الإنتاج ضد العدالة، بل نعيد جمعهما في مشروع واحد: مجتمع يعرف، وينتج، وينصف.
وهذا هو المعنى الأعمق للنهضة: أن يتحول الإنسان من مستهلك لما يصنعه الآخرون إلى منتج للمعرفة والقوة والحياة.



