أخبار محلية

الجنوب فكرة وحقيقة

كتب عميد الاذاعة في القومي وائل ملاعب : من كفرشوبا إلى الخيام، من مارون الراس إلى بنت جبيل إلى الشقيف والنبطية، أرضٌ تحفظ في ترابها ذاكرة من حاولوا تدنيسها فلم يستطيعوا.

ثمّة شيءٌ في تراب الجنوب لا يُشبه سواه. ليس الزعتر وحده، ولا التبغ، ولا الزيتون، ولا حجارة البيوت المتشقّقة، ولا تلك الأزقّة التي تبدو كأنّها لم تغفُ منذ عقود. ثمّة ذاكرةٌ راسخة في العمق، تعرف كيف تقاوم، وكيف تبقى وكيف تذهب وكيف تعود.

مُتجذِّرٌ كانَ الطمع في هذه الأرض، منذ أن وضع المخطّطون الصهاينة “اليهود” خرائطهم الأولى، كان الجنوب اللبناني حاضراً في أحلامهم التوسّعية، بل أقدم بكثير, منذُ أن كانَت قانا الجَليل، وكانَ يسوعُ ابنَ مريَم يَضَعُ أولى لمساتهِ النبويّةِ على أرض الجنوب، بل ربّما أقدَم، مُنذُ أن كانَ اللهُ وكانَ إبليس وكانوا أبناء إبليس ينسفونَ قِيَمَ الله حتى وإن كانت مجازيةً إفتراضية.

منذُ ذلك الحين أرادوا حياةَ هذه الأرض الحيّة، أرادوا مياه الليطاني التي تجري ذهباً أزرقاً في عروق الأرض إسوةً بمياه بحيرةِ طبريّا ونهر الأردن واليوم كل منابع جبل الشيخ.

أرادوا الحدود الجغرافية التي تمنحهم هامشاً استراتيجياً. أرادوا أن تكون المسافة بين سلاحهم والحياة هناك مسافةً لا يملؤها أحد. لكنّ الجنوبيون قرّروا دائماً أن يكونوا تلك المسافة.

“كانوا يأتون محصنين بدبّاباتهم ومن ثم يغادرون في أحسن الأحوال بمروحيات النقل، ووادي الحُجير ما زالَ يذكُر كما تذكُر وتشهد اليوم قرية دبّين وشمع وأرنون وبنت جبيل وكل قرية ومدينة، هذه هي قصّة الجنوب في كلّ مرحلة.”

في الثمانينيات، سقطت بيروت تحت الحصار، واعتقد رُعاعُ الإرهاب وشُذاذ الآفاق ومن ناصَرَهُم مِن داخلنا أنّ الجنوب المُحتلّ سيهضمه النسيان، كانت الأمّهات يحفرن في الصبر ما لا تحفره الجرافات. كانت المقاومة تنبت، كجذور التين في الصخر من أروقة الحمرا وفردان وخلدة وبحمدون وصيدا، إلى أن جاء عام 2000، خرج الاحتلال من حيث أتى، تاركاً وراءه ذلّهُ وانكسارهُ، فيما الجنوبيون يزرعون من جديد في أرضهم المُستردّة.

ما يحدث اليوم ليس انقطاعاً عن ذلك السياق، بل هو امتداده. نفس الأطماع، نفس السردية التاريخية والمزاعم الدينية الكاذبة، نفس الوقاحة الجغرافية، نفس الاعتقاد بأنّ القوّة العارية تستطيع أن تُخرس الإرادة. لكنّ التاريخ، ذلك المعلّم الصارم، أثبت مراراً أنّ ما لا يُقتلع بعشرين عاماً من الاحتلال، لن يُقتلع بالقصف. الجنوبي لا يربط حقائبه حين تهتزّ الأرض، هو من علّم الأرض كيف تهتزّ وتصمد في الوقت ذاته، فهذه الأرض فيها أهلٌ يعرفون أسماء شهدائهم كما يعرفون أسماء الأنبياء ويؤمنونَ بقضيتهم إيماناً أكبر، لأنّ الذاكرة الجماعية هناك لم تُصَب باللوثةِ التي أصابت الكثيرين في عالمٍ مُتسارع.

الجنوب ليس رمزاً فحسب، ليسَ مساحةً جغرافيةً فحسب، ليس ساحة قتالٍ فحسب، الجنوب هو كل المعادلة. وفي كلّ جولةٍ من هذا الصراع الوجوديّ الطويل، يثبت الجنوب من جديد أنّ الأرض المغمورة بدم أهلها هي كما الفكرة وكما الحقيقة لا تُستعمَر إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى