
لاحقاً، ومع دخول النظام السوري السابق على خط التأثير المباشر في القرار اللبناني، انتقل لبنان إلى مرحلة أخرى من الوصاية السياسية والأمنية. فكان القرار اللبناني في كثير من المفاصل الحساسة خاضعاً لمعادلات إقليمية، ما انعكس على الحياة السياسية والدستورية وأضعف قدرة الدولة على إنتاج قرارها المستقل. ورغم تبرير تلك المرحلة باعتبارات الاستقرار أو إدارة التوازنات، إلا أن نتيجتها العملية كانت استمرار هشاشة الدولة وتعطّل مسارها الطبيعي.
اليوم، ومع تغير المشهد الإقليمي، يتصدر الحضور الإيراني واجهة النقاش حول السيادة في لبنان. فطهران، عبر شبكة تحالفاتها الإقليمية، تمارس تأثيراً مباشراً وغير مباشر على جزء أساسي من القرار اللبناني، سواء في الملفات السياسية أو الأمنية أو الاستراتيجية. وهذا الواقع يثير جدلاً متزايداً داخل لبنان حول حدود العلاقة بين الدعم السياسي من جهة، وبين التدخل في القرار السيادي من جهة أخرى.
في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية في مرحلة إعادة تموضع تدريجي، عنوانها الأساسي محاولة استعادة القرار الوطني وتثبيت مرجعية المؤسسات الدستورية. فالمعادلة التي تسعى الدولة إلى ترسيخها تقوم على مبدأ واضح: لبنان ليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ولا يجوز لأي طرف خارجي أن يتحدث باسمه أو أن يحدد خياراته السيادية.
هذا التوجه لا يُطرح من باب الصدام المباشر، بل من باب إعادة تعريف قواعد العلاقة مع الخارج. فلبنان، الذي دفع أثماناً باهظة في مراحل التدخل المختلفة، يدرك اليوم أن استمرار تعدد المرجعيات الداخلية في القرار الأمني والسياسي يعني استمرار هشاشة الدولة واستمرار المخاطر نفسها التي تكررت عبر العقود.
من هنا، يصبح النقاش حول الحضور الإيراني في لبنان جزءاً من نقاش أوسع وأقدم: كيف يمكن للدولة اللبنانية أن تستعيد قرارها الكامل؟ وكيف يمكن حصر التمثيل السياسي والأمني بالمؤسسات الشرعية وحدها؟ وكيف يمكن تحويل العلاقات الخارجية من أدوات تأثير على القرار الداخلي إلى علاقات بين دول ذات سيادة متكافئة؟
في هذا الإطار، يبرز خطاب رسمي لبناني أكثر وضوحاً في التأكيد على أن أي علاقة خارجية، مهما كانت طبيعتها أو عمقها، يجب أن تمر عبر مؤسسات الدولة، وأن لا أحد يملك حق التحدث باسم لبنان أو احتكار قراره أو توجيهه خارج الأطر الدستورية.
إن تراكم التجارب من الفلسطيني إلى السوري إلى الإيراني لا يُقرأ فقط كمسار تاريخي، بل كدليل سياسي على أن غياب الدولة أو تراجع دورها يفتح الباب دائماً أمام تدخلات خارجية متعددة الأشكال. والعكس صحيح: كلما استعادت الدولة قوتها ومؤسساتها، تراجع هامش التدخل الخارجي لصالح علاقات طبيعية قائمة على السيادة والاحترام المتبادل.
وعليه، فإن التحدي المطروح اليوم لا يتعلق فقط بطبيعة علاقة لبنان بإيران أو بغيرها من القوى الإقليمية، بل بقدرة لبنان نفسه على تثبيت معادلة واحدة: الدولة هي المرجع، والمؤسسات هي الإطار، والقرار هو لبناني بالكامل. عندها فقط يمكن القول إن لبنان بدأ فعلاً بالخروج من دائرة التدخلات المتعاقبة إلى مرحلة استعادة الدولة.



