
فقد أطلّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل أيام ليتحدث عن طبيعة العلاقة التي تجمع إسرائيل بالولايات المتحدة، معتبرًا أن البلدين حليفان يقاتلان جنبًا إلى جنب، وأنه لا يوجد أي شرخ بينهما. وأوضح أنه، رغم وجود اختلافات في مقاربة الملف الإيراني، فإن الطرفين يتفقان على هدف استراتيجي واحد يتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي. وأضاف أن العلاقة بينهما ليست قائمة على المصالح الآنية، بل على منظومة من القيم المشتركة. أما في تعريفه لإسرائيل، فقد وصفها بأنها “الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، معتبرًا أن الدفاع عنها هو دفاع عن الحضارة الغربية التي تقودها الولايات المتحدة، والتي وصفها بأنها “حامية العالم والحريات”.
أما على الساحة السورية، فينظر الغرب إلى الانتقال من نظام بشار الأسد إلى نظام أحمد الشرع باعتباره نجاحًا ينبغي الحفاظ عليه. وقد افتتح الرئيس الفرنسي سباق الانفتاح الاقتصادي والدبلوماسي على دمشق، ومن المرجح أن يلحق به عدد من القادة الأوروبيين. ورغم أن الدافع الأساسي للدول الأوروبية يتمثل في تحقيق مكاسب اقتصادية وتجارية، فإن الانفتاح على نظام كان حتى وقت قريب مدرجًا على لوائح الإرهاب، ويعاني من غياب الديمقراطية والحريات العامة، ولا سيما حرية الرأي والعمل السياسي، يطرح تحديات مباشرة أمام لبنان، ويؤثر في موقعه الإقليمي وفي صورته لدى المجتمع الدولي.
و في ما يتعلق بقطاع غزة، فقد تعامل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع الملف بطريقة استثنائية، وسعى إلى إنهاء الصراع من خلال ما عُرف بـ”مجلس السلام”، في خطوة اعتُبرت تحديًا مباشرًا للأمم المتحدة وعدد من الدول الأوروبية. كما نجح في حشد تعهدات بتقديم أكثر من سبعة مليارات دولار من المساعدات، إضافة إلى عشرة مليارات دولار أخرى تعهدت بها الإدارة الأميركية. وبمقارنة بسيطة مع المساعدات التي تلقى لبنان وعودًا بالحصول عليها، والتي لا تتجاوز مليار دولار، يتضح أن الحديث عن اهتمام أميركي استثنائي بلبنان لا يتجاوز في كثير من الأحيان تصورات بعض السياسيين اللبنانيين.
يبقى لبنان اليوم أكثر عرضة من أي وقت مضى لخطر التراجع، مع تراجع مفهومه الحضاري، سواء في محيطه أو داخل حدوده. فقد نسي العالم لبنان الذي شكّل لعقود طويلة نموذجًا حضاريًا وثقافيًا فريدًامتجذرًا في التاريخ، ومنتشرًا عبر أبنائه في مختلف أنحاء العالم. واليوم، ينظر كل من العالمين العربي والغربي إلى لبنان باعتباره واقعًا تحت نفوذ محور الممانعة، فيما تعززت مؤخرًا صورة الدولة الفاشلة نتيجة استفحال الفساد، وعجز المؤسسات الرسمية عن تقديم الحد الأدنى من الخدمات، وفشلها في إدارة شؤون المواطنين.
لقد كان لبنان، لعقود، نموذجًا للديمقراطية والحريات في الشرق الأوسط، إلا أن هذا الامتياز تراجع تدريجيًا، بينما نجحت إسرائيل في ترسيخ نفسها في نظر الغرب باعتبارها النموذج الديمقراطي في المنطقة، في حين دفع التحول في سوريا المبعوث الأميركي توم باراك إلى تقديم النظام الجديد بوصفه نموذجًا يستحق الدعم، في موازاة تراجع النموذج اللبناني. إن خسارة لبنان للمزايا التي شكّلت أساس صورته في المخيلة الغربية، إلى جانب غياب الإصلاحات، وانعدام فرص النمو الاقتصادي، تمهد للإبقاء عليه ساحةً مفتوحة للصراعات، ومركزًا للأنشطة غير الشرعية، وملاذًا لشبكات الجريمة المنظمة. فهذا البلد الصغير قد لا يكون قادرًا على التأثير في أمن خطوط الإمداد والطاقة أو في أسعار النفط العالمية، لكنه، في المقابل، لم يعد قادرًا على إعادة بناء نفسه، في وقت لا يبدو فيه أن المجتمع الدولي مستعد لتقديم الدعم الكفيل بإنقاذه فعليًا.



