
لم يعد الذكاء الاصطناعي تطوراً تقنياً يمكن للبنان أن يراقبه من بعيد، أو يؤجل التعامل معه إلى ما بعد حل أزماته. فهو يدخل اليوم في صلب الإنتاج والتعليم والصحة والإدارة والإعلام والأمن، ويعيد تشكيل سوق العمل والعلاقة بين المواطن والدولة. والسؤال لم يعد ما إذا كان لبنان سيستخدمه، لأن الأفراد والمؤسسات بدأوا بذلك فعلاً، بل ما إذا كان هذا الاستخدام سيبقى متفرقاً وتابعاً، أم يتحول إلى مشروع وطني يعيد تنظيم الدولة والاقتصاد حول المعرفة والإنتاج.
يملك لبنان عناصر قوة واضحة: طاقات بشرية متعلمة، جامعات وخبرات تقنية وعلمية، مرونة لغوية وثقافية، قطاعاً خاصاً مبادراً، وانتشاراً عالمياً واسعاً في مراكز العلم والأعمال. لكنه يعاني، في المقابل، من ضعف البنية التحتية، وتشتت القرار، وهجرة الكفاءات، وغياب البيانات المنظمة، وتراجع الإدارة العامة، وعدم استمرارية السياسات.
ولا يجري هذا النقاش في فراغ سياسي وأمني. فلبنان يقع في منطقة تتكرر فيها الحروب والصراعات والاحتلالات، وتتضرر خلالها البنية التحتية والقطاعات المنتجة، وتتزايد موجات النزوح والهجرة. لا يعني ذلك تعليق مشروع التحول الرقمي إلى حين تحقق الاستقرار الكامل، بل تصميمه بواقعية، بحيث يخدم التنمية في الظروف الطبيعية، ويحافظ على استمرارية الخدمات والبيانات والمؤسسات في الأزمات. فالذكاء الاصطناعي لا يلغي الجغرافيا والسياسة، لكنه يمكن أن يساعد دولة صغيرة ومثقلة بالتحديات على استخدام قدراتها بصورة أفضل.
اقتصاد ينتج المعرفة بدل تصدير أصحابها
لا تكمن فرصة لبنان في منافسة الدول الكبرى على بناء أضخم النماذج الحاسوبية، بل في التطبيقات التي يحتاج إليها المجتمع ويملك اللبنانيون خبرة فيها: التعليم، والصحة، والخدمات المالية، والقانون، والإعلام العربي، والسياحة، والزراعة، والطاقة، وإدارة المدن والأزمات.
تستطيع شركات لبنانية صغيرة ومتوسطة أن تقدم إلى الأسواق الإقليمية والدولية خدمات في البرمجيات، وتحليل البيانات، والتعليم الرقمي، والتصميم، والترجمة، والاستشارات، وخدمة العملاء. وبذلك، لا يعود ضيق السوق المحلية حاجزاً نهائياً، إذ يستطيع اللبناني أن يعمل مع العالم من داخل لبنان، وأن يصدّر المعرفة والعمل، بدلاً من أن يكون تصدير أصحاب المعرفة هو المسار الوحيد.
المطلوب ليس إقفال أبواب الهجرة، بل جعل البقاء خياراً مهنياً ممكناً. فعندما يجد الشاب دخلاً مناسباً، ومساراً للتطور، واتصالاً بسوق العمل العالمي، تتحول التكنولوجيا من عامل إضافي لاستنزاف الكفاءات إلى وسيلة للحد منه. وهذا يستلزم بيئة قانونية ومالية تسهّل العمل عن بعد، والعقود الإلكترونية، والدفع عبر الحدود، وتأسيس الشركات الرقمية.
البطالة ليست نقصاً في الشهادات
لا تعالج البطالة بدورات عامة وشهادات إضافية، بل بربط التعليم بحاجات العمل. ويحتاج لبنان إلى مرصد وطني للمهارات والوظائف المستقبلية، يجمع المعلومات عن الاختصاصات والخبرات، ويحلل حاجات القطاعات المحلية والأسواق الخارجية، ويوجه الجامعات والمعاهد ومراكز التدريب نحو مهن فعلية.
يمكن، بعد ذلك، إعداد مسارات تدريب شخصية تبدأ بتقييم المهارات، وتحدد النقص، وتنتهي بمشروع تطبيقي أو تدريب مهني أو فرصة عمل. كما يمكن استخدام أنظمة المطابقة الذكية لربط الباحثين عن عمل بالوظائف وفق ما يستطيعون إنجازه، لا وفق اسم الجامعة أو عنوان الشهادة فقط. إلا أن هذه الأنظمة تحتاج إلى تدقيق مستمر كي لا تعيد إنتاج التمييز الاجتماعي أو المناطقي أو الطائفي أو الجندري بصورة خوارزمية.
ويجب أيضاً تنظيم مساهمة الانتشار اللبناني عبر شبكة تربط العلماء ورواد الأعمال والمستثمرين بالجامعات والشركات والمؤسسات المحلية، بما يسمح بالإرشاد المهني، والإشراف البحثي، وتوظيف فرق من لبنان، وتمويل الشركات الناشئة، ونقل الخبرة. فالانتشار لا ينبغي أن يبقى مصدراً للتحويلات المالية فقط، بل يمكن أن يصبح امتداداً علمياً وإنتاجياً للبنان.
الحكومة الذكية ليست فقط تحويل الورق إلى بيانات رقمية
لا تعني الحكومة الذكية تصوير المعاملة الورقية ووضعها على موقع إلكتروني، بل إعادة تصميم الخدمة حول المواطن، وتوحيد السجلات، وربط الإدارات، واعتماد الهوية الرقمية والتوقيع والدفع الإلكترونيين، وإلغاء المستندات والإجراءات المتكررة.
بعد بناء هذه الأسس، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في فرز المعاملات، وكشف الأخطاء والازدواجية، وتحليل الشكاوى، ومراقبة الإنفاق، وتحسين الجباية، واكتشاف الاحتيال، وتوقع الأعطال، وتحديد أولويات الصيانة. لكن التكنولوجيا لا تلغي الفساد تلقائياً؛ فقد تؤدي رقمنة إدارة سيئة إلى جعل الخلل أسرع وأقل وضوحاً. لذلك، يجب أن تقترن الرقمنة بالتوثيق والشفافية والمراجعة والمحاسبة.
كما ينبغي تصميم الخدمات الرقمية بحيث تستمر في الظروف الاستثنائية، من خلال شبكات اتصال بديلة، ونسخ احتياطية موزعة، وحماية السجلات المدنية والصحية والمالية، وإمكان تشغيل المدارس والمستشفيات والبلديات عند تعطل بعض المرافق. هذا ليس تحويل الحرب إلى محور للسياسة الرقمية، بل إقرار بأن البنية الوطنية في لبنان يجب أن تكون مرنة وقادرة على التعافي.
من يقرر: الإنسان أم الخوارزمية؟
تزداد حساسية السؤال عندما يستخدم الذكاء الاصطناعي في التوظيف، والقروض، والتعليم، والصحة، والمساعدات الاجتماعية، والقضاء والأمن. فالخوارزمية لا تملك ضميراً ولا تتحمل مسؤولية قانونية. هي تعمل وفق أهداف وضعها أشخاص، وتعتمد على بيانات قد تكون ناقصة أو متحيزة.
يمكنها أن تحلل المعلومات وتقدم توصيات، لكن القرارات التي تمس حرية الإنسان أو صحته أو تعليمه أو مستقبله المهني يجب أن تبقى تحت إشراف بشري واضح. والمبدأ بسيط: الخوارزمية تقترح، أما المؤسسة والإنسان فيقرران ويتحملان المسؤولية. ولا يجوز أن تصبح عبارة «النظام قرر» باباً للتهرب من المحاسبة.
يحتاج لبنان، لذلك، إلى تحديث قوانينه في حماية البيانات، والخصوصية، والأمن السيبراني، والمعاملات الإلكترونية، والملكية الفكرية، وانتحال الهوية، والمحتوى المزيف، والمسؤولية عن القرارات الخوارزمية. ويجب أن يعرف المواطن متى استُخدم الذكاء الاصطناعي في قرار يتعلق به، وأن يتمكن من تصحيح بياناته، وفهم النتيجة، والاعتراض عليها أمام جهة بشرية مسؤولة.
البيانات والبنية التحتية أولاً
تعاني الإدارات اللبنانية من سجلات ورقية، ومعلومات غير محدثة، وأنظمة لا تتواصل فيما بينها. ولا تستطيع أكثر التقنيات تطوراً إنتاج نتائج موثوقة فوق بيانات ضعيفة. لذلك، يحتاج لبنان إلى سياسة وطنية تحدد طرق جمع البيانات وتحديثها وحمايتها وتبادلها، وتفصل بين البيانات المفتوحة للبحث والابتكار والبيانات الحساسة التي يجب تأمينها.
ويحتاج التحول أيضاً إلى كهرباء واتصالات موثوقة، وحوسبة سحابية آمنة، ومراكز بيانات، وهوية رقمية، وقدرات في الأمن السيبراني. فهذه ليست مسائل تقنية ثانوية، بل جزء من سيادة الدولة الحديثة. وفي بلد معرض للاضطرابات الأمنية والسياسية، تصبح حماية البيانات وتوزيع مراكز التخزين واستمرارية الشبكات شروطاً إضافية لضمان ألا تتوقف الدولة عند كل أزمة.
مرجعية وطنية على أعلى مستوى
كان استحداث منصب وزير دولة لشؤون تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي خطوة تشير إلى إدراك رسمي لأهمية الملف، لكنه بقي موقعاً محدود الصلاحيات والموارد، ومضافاً إلى حقيبة وزارية أخرى، لا وزارة وازنة تملك جهازاً إدارياً وموازنة وقدرة تنفيذية. وقد أقرت لجنة تكنولوجيا المعلومات مشروع إنشاء الوزارة معدلاً في 13 كانون الثاني 2026، إلا أن مجلس النواب أعاده إلى اللجان في جلسة 15 و16 تموز 2026. وبذلك بقي الملف، حتى مطلع آب 2026، من دون وزارة مكتملة البنية والصلاحيات والموازنة.
المشكلة أعمق من اسم الوزارة. فحين تكون الاعتمادات محدودة، تتحول السياسة الرقمية إلى مبادرات جزئية تختار ما تسمح به الموازنة الضيقة، بدلاً من أن تنطلق الموازنة من رؤية وطنية متكاملة. فنحصل على منصة هنا، ومشروع مكننة هناك، وبرنامج تدريب منفصل، من دون بنية بيانات موحدة، أو أولويات مترابطة، أو جهة تحاسب على النتيجة.
لا يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي من زاوية تكنولوجية ضيقة، فهو يتصل بالاقتصاد والتربية والعمل والصحة والأمن والقضاء والإدارة والعلاقات الخارجية. لذلك، يجب أن تكون مرجعيته على أعلى مستوى في الدولة، وألا تخضع لوزارة قطاعية أو تتبدل أولوياتها مع تبدل الحكومات.
المطلوب مجلس أعلى دائم للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، يرأسه رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة، يضم عدداً من الوزارات المعنية والجامعات والقطاع الخاص والنقابات والانتشار اللبناني، ويضع استراتيجية طويلة الأمد، ويحدث التشريعات المتكاملة، ويتابع الحكومة الذكية، والبنية التحتية، والبيانات، والتعليم، والبحث العلمي، والعمل عن بعد، والأمن السيبراني. على أن تنبثق منه أجهزة تنفيذية صغيرة ومتخصصة، بصلاحيات واضحة، ومهل محددة، وتقارير علنية، ومؤشرات تقيس ما تحقق فعلاً.
يبقى أن نشير أن ترك موضوع بهذه الأهمية بدون مرجعية وطنية واستراتيجية واضحة، سيفسح المجال واسعا أمام الشركات الأجنبية والمتعددة الجنسيات، لتوجيه التحول الرقمي والسيطرة على مفاصله، مما يشكل تهديداً جديداً من نوع آخر للأمن القومي.
التكامل المشرقي والدبلوماسية الرقمية
لا يستطيع لبنان بناء فضائه الرقمي منعزلاً. فالسوق الصغيرة، وارتفاع كلفة البنية التحتية، وتشابك النقل والطاقة والتجارة، تجعل التكامل الإقليمي حاجة عملية. وهنا تأتي الدبلوماسية الرقمية، لا بوصفها نشاطاً إعلامياً على وسائل التواصل، بل استخداماً للمنصات والمعايير والشبكات الرقمية لبناء التعاون، وربط الخبراء والمغتربين، وتنسيق السياسات، وفتح الأسواق.
لا تحتاج الدبلوماسية الرقمية دائماً إلى انتظار التسويات السياسية الكبرى. فهي تستطيع أن تبدأ من مصالح عملية مشتركة، وأن تبني الثقة تدريجياً من خلال مشاريع يستفيد منها المواطنون والمؤسسات. لكن هذا المسار يجب ألا يقوم على تصور طوباوي يتجاهل الخلافات السياسية والحروب والاحتلالات القائمة في المنطقة. فهذه الوقائع تضع حدوداً للتعاون، وتفرض حماية السيادة والبيانات والبنية التحتية، لكنها لا تلغي إمكان البدء في مجالات فنية واقتصادية وإنسانية منخفضة الحساسية.
يمكن أن يبدأ المسار من المشرق العربي عبر توحيد معايير التوقيع الإلكتروني والوثائق التجارية، وربط الأنظمة الجمركية وتتبع الشحنات بين المرافئ والأسواق الشامية والأردنية والعراقية، وإنشاء شبكات جامعية وطبية للتعليم والاستشارات عن بعد، وتطوير منصة إقليمية للإنذار الزراعي والأمن الغذائي، وبناء آلية مشتركة للاستجابة للهجمات السيبرانية.
وفي مرحلة لاحقة، يمكن تطوير ممر تجاري رقمي مشرقي، ومنصات دفع وتسوية قابلة للتشغيل البيني، وسوق للشركات الرقمية، ومسارات سياحية مشتركة، وتبادل منظم لبيانات الطاقة والنقل. ويمكن أيضاً إنشاء حاضنات مترابطة في بيروت ودمشق وعمّان وبغداد، تجمع الباحثين والشركات الناشئة والمستثمرين وأصحاب الخبرة في الانتشار.
وبعد اختبار هذه النماذج في المشرق، يمكن توسيعها تدريجياً نحو دول الخليج وبقية الدول العربية، عبر اتفاقات للتجارة الرقمية، والاعتراف بالشهادات المهنية، وربط الشركات الناشئة بالمستثمرين والأسواق العربية، وتنسيق معايير حماية البيانات والأمن السيبراني، والاستفادة من الاستثمارات العربية المتقدمة في البنية الحاسوبية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
بهذا المعنى، تصبح الدبلوماسية الرقمية وسيلة لبناء المصالح المشتركة حيثما تسمح الظروف، من دون إنكار الخلافات أو القفز فوقها، وتحويل الموقع الجغرافي والانتشار اللبناني من عناصر ساكنة إلى شبكة تعاون وإنتاج. وهذا ممكن ولا ينتظر انتهاء حروب المنطقة وحل جميع ازماتها. فدورة الحياة تستمر حتى في ظل الحروب.
فرصة لبنان الحقيقية
لن يحل الذكاء الاصطناعي الأزمة السياسية والاقتصادية، ولن يعوض ضعف الدولة، ولن يزيل آثار الحروب والصراعات. لكنه يستطيع أن يساعد لبنان على زيادة الإنتاج، وتحسين الخدمات، وفتح أسواق جديدة، وربط التعليم بالعمل، والاستفادة من انتشاره، وتخفيف هجرة الكفاءات، وبناء مؤسسات أكثر قدرة على الاستمرار والتعافي.
وفي المقابل، قد يؤدي غياب التنظيم إلى توسيع الفجوة بين اللبنانيين، وزيادة التضليل، وانتهاك الخصوصية، وتهديد بعض الوظائف، وتحويل البلاد إلى مستهلك دائم لتقنيات لا يشارك في تطويرها ولا يملك السيطرة عليها.
لبنان أمام خيار واضح: استخدام متفرق تفرضه الأسواق والشركات الخارجية، أو مشروع وطني يجعل التكنولوجيا في خدمة المجتمع. يمتلك اللبنانيون العلم والخبرة والقدرة على المبادرة. وما ينقص هو القرار الذي يجمع هذه القدرات ضمن رؤية واقعية، تحمي الحقوق والسيادة، وتبني المؤسسات والاقتصاد، وتستخدم الذكاء الاصطناعي أداةً للإنتاج والإدارة والتعاون، لا بديلاً من السياسة والدولة والإنسان.



