أخبار محلية

حين يُحمى الوطن بأجساد العسكريين… فمن يحمي العسكري؟

كتب النقيب المتقاعد هادي عبدالخالق : حين يُحمى الوطن بأجساد العسكريين… فمن يحمي العسكري؟

في لبنان، هناك رجال لا يملكون ترف الانسحاب، ولا خيار الابتعاد، ولا إمكانية إغلاق هواتفهم عندما ينادي الواجب.

إنهم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي وسائر الأجهزة الأمنية والعسكرية؛ الرجال الذين يقفون على الحدود، وفي الشوارع، أمام المؤسسات، في السجون، عند الحواجز، وفي كل موقع يحتاج فيه الوطن إلى من يحميه.

هؤلاء لا يسألون الدولة، عندما يُطلب منهم تنفيذ مهمة: كم سندفع لكم؟

ولا يسألون عندما يقفون لحماية نائب أو وزير أو مسؤول: هل يستحق هذا المسؤول أن نحميه؟

ولا يسألون عندما يواجهون الخطر: أين حقوقنا؟

يذهبون.

ينفذون.

يسهرون.

ويتحملون.

لكن السؤال الذي أصبح من حق كل لبناني أن يطرحه بصوت مرتفع هو:

مَن يحمي العسكري الذي يحمي الوطن؟

العسكري الذي يقف ساعات طويلة في البرد والحر، بعيداً عن عائلته، ويترك أبناءه وزوجته وأهله ليحرس أبناء الوطن ومؤسساته، كيف يُطلب منه أن يعيش بكرامة إذا كان راتبه لا يكفي أبسط مقومات الحياة؟

كيف نطلب من رجل أن يكون صلباً في مواجهة الجريمة والإرهاب والفوضى، بينما هو عاجز عن مواجهة الغلاء داخل منزله؟

كيف نطلب منه أن يحمي المؤسسات العامة والخاصة، بينما المؤسسة التي ينتمي إليها عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من حقوقه؟

هذه ليست مسألة منّة. وليست مكافأة. وليست فضلاً من أحد. إنها حقوق.

والأخطر من ذلك أن استمرار هذا الواقع لا يظلم العسكري وحده؛ بل يضرب هيبة الدولة نفسها.

فالدولة التي تريد جيشاً قوياً وأجهزة أمنية قادرة على فرض القانون، عليها أولاً أن تجعل من يحمي القانون قادراً على العيش بكرامة.

وإذا كان العسكري في الخدمة يستحق الإنصاف… فماذا عن العسكري المتقاعد؟

هنا تصل القضية إلى ذروة الظلم.

هناك رجال أدّوا سنوات عمرهم في خدمة الدولة.

رجال أمضوا شبابهم في الثكنات والمراكز والحواجز وعلى الحدود.

رجال تركوا عائلاتهم في مناسبات وأعياد وأزمات، ووقفوا في وجه المخاطر عندما كان كثيرون يبحثون عن الأمان.

رجال لم يقدّموا للدولة ساعات من العمل فقط، بل قدّموا أجمل سنوات العمر.

قدموا صحتهم.

قدموا شبابهم.

قدموا جهدهم.

قدموا حياتهم العائلية.

وفي حالات كثيرة، دفعوا من أجسادهم وصحتهم ثمناً لهذه الخدمة.

ثم ماذا؟

عندما يصل هؤلاء إلى التقاعد، بدلاً من أن يشعروا أن الدولة تحفظ لهم كرامتهم، يجد بعضهم نفسه في مواجهة واقع اقتصادي واجتماعي قاسٍ، وكأن سنوات الخدمة التي أفنوا فيها أعمارهم قد أصبحت صفحة منسية.

أي عدالة هذه؟

كيف يمكن لدولة أن تطلب من العسكري الموجود في الخدمة أن يضحي، بينما يرى العسكري المتقاعد أمام عينيه كيف تعاملت الدولة مع من سبقه؟

كيف نطلب من شاب أن يؤمن بأن المؤسسة التي ينتمي إليها ستصون حقوقه، إذا كان يرى المتقاعدين الذين سبقوه يكافحون من أجل تحصيل حقوقهم؟

التعويضات والحقوق ليست صدقة

يجب أن نقولها بوضوح، وبعيداً عن أي التباس:

ما نص عليه القانون للعسكريين المتقاعدين ليس منّة من مسؤول، وليس مساعدة اجتماعية، وليس مكرمة سياسية.

إنه حق قانوني.

والدولة التي تضع القوانين مطالبة بتطبيقها.

والسلطة التي تتحدث صباحاً ومساءً عن دولة القانون لا تستطيع أن تنتقي من القانون ما يناسبها، وأن تؤجل ما يتعلق بحقوق العسكريين والمتقاعدين.

العسكري المتقاعد لا يطلب هدية.

لا يطلب حسنة.

لا يطلب معروفاً.

هو يطالب بما استحقه خلال سنوات خدمته، وبما أقرّه القانون والأنظمة.

هو يطالب بجنى عمره.

وهذا الجنى ليس ملكاً لأحد حتى يمنحه أو يمنعه.

أيها المسؤولون: لا تجعلوا المتقاعد يدفع ثمن سنوات خدمته

إلى كل مسؤول يتعامل مع ملف العسكريين:

تذكروا أن الرجل الذي يطرق باب الدولة اليوم طالباً بحقه، قد يكون هو نفسه الرجل الذي وقف ذات يوم لحماية مؤسساتها.

قد يكون هو الذي وقف على حاجز في منتصف الليل.

قد يكون هو الذي أمضى سنوات على الحدود.

قد يكون هو الذي خاطر بحياته في مواجهة الإرهاب.

قد يكون هو الذي حمى مسؤولاً أو مؤسسة أو مواطناً.

وقد يكون هو الذي قال لعائلته مئات المرات: “لا أستطيع أن أعود الآن… أنا في الخدمة.”

واليوم، بعدما انتهت سنوات خدمته، لا يجوز أن يكون الجواب:

“ليس لدينا أموال.”

فإذا كانت الدولة تجد الأموال لمشاريع وملفات ومصاريف وامتيازات كثيرة، فعليها أن تجد الأموال أولاً لمن دفع من عمره ثمناً لحمايتها.

إلى العسكريين المتقاعدين: أنتم لستم رقماً من الماضي

لا تسمحوا لأحد أن يتعامل معكم وكأنكم انتهيتم بمجرد خروجكم من الخدمة.

التقاعد لا يمحو التاريخ.

الرتبة لا تسقط بالمعاش.

والسنوات التي أمضيتموها في خدمة الوطن لا تُمحى بقرار إداري.

أنتم جزء من ذاكرة المؤسسة، وجزء من تاريخ الدولة، وجزء من كرامة لبنان.

والدولة التي تحترم نفسها تحترم من خدمها.

والدولة التي تحفظ هيبة مؤسساتها تبدأ باحترام رجالها الذين أمضوا أعمارهم في خدمتها.

إلى وزير الدفاع وقائد الجيش

هذه لحظة تستحق موقفاً.

ليس المطلوب خطاباً احتفالياً، ولا بيانات بروتوكولية، ولا كلمات تقدير من نوع “أنتم حماة الوطن” ثم ينتهي الأمر.

العسكري لا يعيش على عبارات الشكر.

العسكري يعيش من راتبه.

والمتقاعد لا يعيش على ذكريات الماضي.

المتقاعد يحتاج إلى حقوقه التي كفلها القانون.

لذلك، فإن واجب القيادة العسكرية ليس فقط أن تطلب من العسكري التضحية، بل أن تكون أول من يرفع الصوت دفاعاً عن حقوقه وحقوق المتقاعدين.

نريد من قيادة الجيش أن تقف وقفة رجال.

أن تقول بوضوح:

لا يمكن أن يبقى العسكري الحلقة الأضعف في دولة يستند أمنها واستقرارها إلى كتفيه.

ونريد منها أن تدافع عن حقوق العسكريين في الخدمة، وعن حقوق المتقاعدين، وعن كل مستحقاتهم القانونية والمعيشية والاجتماعية، وأن تضع هذه القضية في صدارة الأولويات.

وإلى وزير الداخلية والمدير العام لقوى الأمن الداخلي

أنتم تعرفون جيداً ماذا يعني أن يكون الإنسان في الخدمة الأمنية.

تعرفون ماذا يعني أن يمضي العسكري ساعات طويلة في الشارع.

تعرفون ماذا يعني أن يواجه المجرم والخطر والفوضى، وأن يكون مستعداً في كل لحظة للتدخل.

وتعرفون أكثر من غيركم أن الأمن لا يُبنى بالخطط والأوامر فقط.

الأمن يُبنى بالإنسان.

والعنصر الأمني هو الإنسان الذي يقف في الواجهة.

لذلك، المطلوب اليوم موقف واضح لا لبس فيه:

حقوق عناصر قوى الأمن ليست ملفاً ثانوياً يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية، وحقوق المتقاعدين ليست ملفاً انتهت صلاحيته بانتهاء الخدمة.

من خدم الدولة يستحق أن تبقى الدولة إلى جانبه بعد التقاعد.

إلى الطبقة السياسية: لا تطلبوا من العسكري أن يضحي وحده

وهنا الكلام يجب أن يكون واضحاً.

أيها السياسيون،

أنتم تعرفون قيمة الأمن عندما تتحرك مواكبكم.

تعرفون قيمة العسكري عندما تقفون أمام المؤسسات.

تعرفون قيمة الحرس عندما تدخلون إلى مكاتبكم.

تعرفون قيمة الجيش عندما يكون الخطر على الحدود.

وتعرفون قيمة القوى الأمنية عندما تكونون أنتم وعائلاتكم بحاجة إلى الحماية.

فكيف يمكن أن تتذكروا العسكري عندما تحتاجون إليه، ثم تنسوه عندما يصل الأمر إلى حقوقه؟

لا يجوز أن تكون حماية المسؤولين أولوية، وحماية كرامة من يحميهم أمراً مؤجلاً.

ولا يجوز أن يكون العسكري المتقاعد حاضراً في المناسبات الرسمية عندما تحتاجون إلى استحضار بطولاته، ثم يصبح غائباً عندما يطالب بحقه.

لا يجوز أن تتحول تضحياته إلى صور وشعارات، ثم تُنسى حقوقه عند أول استحقاق مالي.

لا تختبروا صبر العسكري… ولا صبر المتقاعد

العسكري اللبناني صبر كثيراً.

تحمل الانهيار الاقتصادي.

تحمل تراجع قيمة راتبه.

تحمل ارتفاع الأسعار.

تحمل البعد عن عائلته.

تحمل ضغوط الخدمة.

والمتقاعد أيضاً صبر.

صبر على تراجع قدرته الشرائية.

صبر على ارتفاع كلفة المعيشة.

صبر على الطبابة والاستشفاء.

صبر على الانتظار.

وصبر على الوعود.

لكن الصبر ليس بلا حدود.

والتقاعد ليس نهاية الحق.

إن الرجل الذي أفنى عمره في خدمة الدولة لا ينبغي أن يقضي بقية عمره في طوابير المطالبة بحقوقه.

نريد دولة تفي بعهدها مع عسكرييها

المطلوب اليوم ليس معركة سياسية.

وليس تحريضاً على المؤسسات.

وليس خروجاً على القانون.

بل المطلوب عكس ذلك تماماً:

ترسيخ دولة القانون من خلال احترام حقوق من حموا القانون.

نريد معالجة عادلة ومستدامة لرواتب العسكريين في الخدمة.

نريد تحسين التقديمات الاجتماعية والصحية.

نريد حماية كرامة العسكري وعائلته.

ونريد قبل كل شيء تنفيذ الحقوق والتعويضات والمستحقات التي أقرها القانون للعسكريين المتقاعدين، من دون مماطلة أو تسويف أو تحويلها إلى ورقة سياسية.

فالقانون لا يصبح اختيارياً عندما يكون المستفيد منه عسكرياً متقاعداً.

إلى قادة المؤسسات العسكرية والأمنية: هذا وقت الموقف

المطلوب اليوم ليس التمرد على الدولة.

وليس الخروج على القانون.

وليس تحويل المؤسسة العسكرية أو الأمنية إلى طرف سياسي.

على العكس تماماً.

المطلوب حماية المؤسسة من الانهيار، وحماية العسكري من الإحباط، وحماية المتقاعد من العوز، وحماية الدولة من فقدان أحد أهم أعمدتها.

وقفة القائد الحقيقي ليست أن يطلب من رجاله الصبر إلى ما لا نهاية.

وقفة القائد الحقيقي أن يقول لمن هم فوقه:

هؤلاء الرجال أدوا واجبهم، وحان الوقت لكي تؤدي الدولة واجبها تجاههم.

وإذا كان من حق القيادة أن تطلب من العسكري الالتزام والانضباط والتضحية، فمن حق العسكري أن يرى قيادته تقف إلى جانبه عندما يتعلق الأمر بكرامته وحقوقه.

لا نريد خطباً… نريد أفعالاً

المطلوب من الحكومة والمجلس النيابي والسلطة السياسية والقيادات العسكرية والأمنية أن يتعاملوا مع ملف العسكريين والمتقاعدين كأولوية وطنية حقيقية.

لا نريد موسماً جديداً من الوعود.

لا نريد كلمات منمقة في المناسبات.

لا نريد صوراً أمام الكاميرات.

نريد قرارات.

نريد حقوقاً تُدفع.

نريد قوانين تُطبّق.

نريد مستحقات تُحفظ.

نريد كرامة تُصان.

ونريد أن يشعر العسكري في الخدمة والمتقاعد بعد انتهاء خدمته أن الدولة لم تنسَ من حملوا عنها عبء الأمن والاستقرار.

رسالة إلى كل مسؤول

قبل أن تجلس في مكتبك الآمن، تذكر من يقف أمام الباب.

قبل أن تصل إلى منزلك محاطاً بالحماية، تذكر من يقف في الشارع لساعات.

قبل أن تتحدث عن هيبة الدولة، تذكر أن هيبة الدولة تبدأ من احترام من يحمل شعارها.

وقبل أن تطلب من الجيش والقوى الأمنية أن يحافظوا على الأمن والاستقرار، اسأل نفسك:

هل فعلتَ ما يكفي لكي يعيش العسكري بكرامة؟

واسأل نفسك سؤالاً آخر:

ماذا فعلت الدولة للرجل الذي أمضى ثلاثين عاماً من عمره في خدمتها، ثم خرج إلى التقاعد ليجد نفسه يطالب بحقوقه؟

هذا السؤال لا يحتاج إلى مؤتمر.

ولا يحتاج إلى لجنة.

ولا يحتاج إلى بيان.

يحتاج إلى قرار.

لبنان لا يحتاج إلى المزيد من الخطب عن البطولة.

لقد رأى اللبنانيون البطولة بأعينهم.

رأوها على الحدود.

رأوها في الشوارع.

رأوها في مواجهة الإرهاب والجريمة والفوضى.

ورأوها في كل مرة وقف فيها عسكري وحيداً في موقعه بينما كانت الدولة بأكملها تعتمد عليه.

واليوم، هناك رجال آخرون يجب ألا ننساهم:

العسكريون المتقاعدون.

أولئك الذين صنعوا من أعمارهم درعاً للوطن.

أولئك الذين دفعوا من شبابهم وصحتهم وراحتهم ثمن خدمة لبنان.

أولئك الذين لا يريدون قصوراً ولا امتيازات.

يريدون حقهم.

حقهم الذي كفله القانون.

حقهم الذي استحقوه بالسنوات والتضحيات.

حقهم الذي لا يجوز أن يتحول إلى منّة سياسية أو ورقة تفاوض.

فليكن هذا النداء بداية موقف

والرسالة إلى وزير الدفاع، وقائد الجيش، ووزير الداخلية، والمدير العام لقوى الأمن الداخلي:

كونوا صوت من لا يستطيع أن يرفع صوته.

دافعوا عن حقوق العسكريين في الخدمة.

ودافعوا بالقدر نفسه عن حقوق العسكريين المتقاعدين.

طالبوا بتنفيذ المستحقات والتعويضات التي نص عليها القانون.

ضعوا هذا الملف أمام الحكومة والسلطة السياسية كأولوية وطنية لا تحتمل التأجيل.

فالجيش ليس رقماً في الموازنة.

وقوى الأمن ليست بنداً إدارياً.

والعسكري ليس موظفاً عادياً.

والمتقاعد العسكري ليس صفحة طُويت بانتهاء الخدمة.

هؤلاء هم العمود الفقري للأمن والاستقرار.

ومن يهزّ كرامة العسكري، يهزّ ركناً من أركان الدولة.

ومن يتجاهل حقوق المتقاعد، يتجاهل تاريخاً من التضحية.

أما من يحمي العسكري ويحفظ حقوقه في خدمته وبعد تقاعده، فإنه لا يحمي شخصاً أو فئة فقط…

بل يحمي لبنان نفسه.

كرامة العسكري من كرامة الدولة.

وحقوق العسكري من حقوق الوطن.

ووفاء الدولة لمتقاعديها هو امتحان صدقها في احترام القانون.

ومن أفنى عمره في حماية لبنان… يستحق أن يجد لبنان إلى جانبه عندما يحتاج إلى الحماية.ǰ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى