
يصعبُ فهمُ الأميرِ شكيبِ أرسلان إذا اقتُطعَ كتابُه الأشهر، “لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟”، من مسارِه الفكريِّ والسياسيّ. فالكتابُ لم يصدرْ عن باحثٍ يراقبُ التاريخَ من خارجِه، بل عن رجلٍ عاشَ أواخرَ الدولةِ العثمانية، ودافعَ عن بقائِها، وشهدَ انهيارَها، ثم انتقلَ إلى الدفاعِ عن استقلالِ سوريةَ وفلسطينَ والعالمِ العربيّ، وإلى مخاطبةِ أوروبا باسمِ قضايا العربِ والمسلمين. ولذلك لا يظهرُ تفكيرُه النقديُّ في نصوصِه النظريةِ وحدها، بل أيضًا في مواقفِه وتحولاتِه، وفي الطريقةِ التي أعادَ بها تفسيرَ الأحداثِ بعدَ تبدلِ موازينِ القوى.
ويمكنُ تحليلُ هذا التفكيرِ من خلالِ نموذجِ PACIER، الذي يجمعُ ستَّ قدراتٍ مترابطة: حلَّ المشكلاتِ، والتحليلَ، والتفكيرَ الإبداعيَّ، والتفسيرَ، والتقييمَ، والاستدلالَ. ولا يكفي، وفقَ هذا النموذجِ، أن نسألَ إن كانت مواقفُ أرسلان إسلاميةً أو عربيةً أو وطنية، بل ينبغي أن نسألَ: كيفَ حدّدَ المشكلةَ؟ وما الافتراضاتُ التي لم يشككْ فيها؟ وهل راجعَ مواقفَه حينَ تغيرَ الواقعُ؟ وهل كان مفهومُه للأمةِ واضحًا بما يكفي لإنتاجِ رؤيةٍ سياسيةٍ متماسكة؟
____________________________________________
من الإصلاحِ الإسلاميِّ إلى الدفاعِ عن السلطنة
نشأَ أرسلان في بيئةٍ لبنانيةٍ شاميةٍ متعددةِ الانتماءات، وتلقى تعليمًا عربيًا وعثمانيًا وأوروبيًا، وتأثرَ بجمالِ الدينِ الأفغانيِّ ومحمدِ عبده. ومن المدرسةِ الإصلاحيةِ أخذَ الفكرةَ القائلةَ إن مشكلةَ المسلمين ليست في الإسلام، بل في الجمودِ والجهلِ والاستبدادِ وسوءِ فهمِ الدينِ والابتعادِ عن روحِه العملية.
كانت هذه الفكرةُ تقدميةً في سياقِها؛ لأنها رفضتِ التفسيرَ القدريَّ للتخلف، وأعادتِ الإنسانَ إلى موقعِ المسؤولية. لكنها وضعتْ منذُ البدايةِ مسلّمةً بقيتْ حاكمةً لفكرِه: الإسلامُ الحقيقيُّ لا يمكنُ أن يكونَ جزءًا من المشكلةِ؛ والمشكلةُ لا بدَّ أن تكونَ في المسلمين أو في سوءِ تطبيقِهم للإسلام.
سمحتْ له هذه المسلّمةُ بنقدِ الممارساتِ الدينيةِ والاجتماعيةِ من داخلِ المرجعية، لكنها ضيقتْ مجالَ التقييم. فقد أصبحَ الإسلامُ عندَه معيارًا يفسِّرُ به التاريخَ، لا موضوعًا تخضعُ نصوصُه ومؤسساتُ تفسيرِه للفحصِ نفسِه. فإذا نهضَ المسلمون نُسبَ النهوضُ إلى الإسلام، وإذا تراجعوا نُسبَ التراجعُ إلى تركِه أو إساءةِ فهمِه. وبذلك حافظَ على التمييزِ المشروعِ بينَ المبدأِ والتطبيق، لكنه اقتربَ أحيانًا من بناءِ دائرةٍ تفسيريةٍ يصعبُ اختبارُها أو دحضُها.
ورأى أرسلان أن الدولةَ العثمانية، رغمَ استبدادِها وضعفِها، هي الإطارُ السياسيُّ القادرُ على منعِ السيطرةِ الأوروبيةِ على المشرقِ والعالمِ الإسلاميّ. ولم يكنْ دفاعُه عنها تعبيرًا عن قوميةٍ تركية، بل عن تقديرٍ استراتيجيٍّ مفادُه أن انهيارَها سيؤدي إلى تقسيمِ بلادِ العربِ بينَ القوى الأوروبية.
وقد أصابَ في توقعِ النتيجةِ العامة؛ إذ أعقبَ سقوطَ السلطنةِ الانتدابُ وتقسيمُ المشرق. غيرَ أن صحةَ توقّعِه لا تعني صحةَ جميعِ المواقفِ التي بناها عليه. فقد منحَ الخطرَ الخارجيَّ أولويةً شبهَ مطلقة، وقللَ من خطورةِ الاستبدادِ الداخليِّ وسياساتِ التتريكِ والقمعِ التي مارستْها قيادةُ الاتحادِ والترقي.
تظهرُ هنا قوةٌ في الاستدلالِ الجيوسياسيِّ، يقابلُها ضعفٌ في تقييمِ البدائلِ والمخاطرِ المتعددة. فقد تعاملَ أرسلان مع المسألةِ كما لو أن الاختيارَ محصورٌ بينَ بقاءِ السلطنةِ أو الاحتلالِ الأوروبيّ، من دونِ أن يمنحَ وزنًا كافيًا لإمكانِ إصلاحِ الدولةِ على أساسٍ دستوريٍّ ولا مركزيٍّ، أو بناءِ مشروعٍ عربيٍّ مستقلٍّ لا يقعُ حتمًا تحتَ الهيمنةِ الأجنبية.
ومن المنطلقِ نفسِه عارضَ الثورةَ العربية، خشيةَ أن تتحولَ إلى أداةٍ بريطانيةٍ لتفكيكِ الدولة. ولم يكنْ هذا التخوفُ بلا أساس، لكنه جعلَه شديدَ الشكِّ في المطالبِ العربيةِ بالاستقلالِ واللامركزيةِ، وأكثرَ تساهلًا مع وعودِ السلطةِ العثمانيةِ رغمَ تاريخِها في المركزيةِ والقمع. فكانَ حساسًا تجاهَ استغلالِ بريطانيا وفرنسا للحركاتِ العربية، وأقلَّ حساسيةً تجاهَ استغلالِ السلطنةِ للرابطةِ الإسلاميةِ في تثبيتِ سلطةٍ غيرِ خاضعةٍ للمساءلة.
____________________________________________
سقوطُ السلطنةِ وإعادةُ تعريفِ المشروع
بعدَ الحربِ العالميةِ الأولى انهارتِ الدولةُ التي دافعَ عنها أرسلان، ووقعتْ أقاليمُ المشرقِ تحتَ الانتدابين الفرنسيِّ والبريطانيّ. وهنا أظهرَ قدرةً واضحةً على حلِّ المشكلاتِ والتكيف. فلم يبقَ أسيرَ المشروعِ العثمانيِّ، بل انتقلَ إلى أوروبا، وانخرطَ في المؤتمرِ السوريِّ الفلسطينيِّ، ودافعَ عن استقلالِ سوريةَ ولبنانَ وفلسطينَ أمامَ عصبةِ الأممِ، واستخدمَ الصحافةَ والرأيَ العامَّ الدوليَّ لخدمةِ قضايا التحرر.
كشفَ هذا التحولُ مرونةً عمليةً مهمة. فقد أدركَ أن مراكزَ الفعلِ تغيّرتْ، وأن القضيةَ السوريةَ والعربيةَ تحتاجُ إلى خطابٍ قانونيٍّ وإعلاميٍّ دوليّ. كما ربطَ بينَ قضايا المشرقِ والمغربِ، وحوّلَ نشاطَه إلى شبكةٍ سياسيةٍ وفكريةٍ عابرةٍ للحدود.
لكن السؤالَ النقديَّ ليس فقط: هل غيّرَ أرسلان وسائلَه؟ بل: هل راجعَ الأسسَ التي قادتْه إلى مواقفِه السابقةِ؟ لقد بررَ دفاعَه عن السلطنةِ بأنه توقعَ التقسيمَ الأوروبيَّ، وهو تبريرٌ قويٌّ جزئيًا، لكنه لم يقدمْ مراجعةً شاملةً لدعمِه سلطةً مارستِ القمعَ، ولا لمسؤوليةِ المركزيةِ العثمانيةِ نفسِها عن تصاعدِ النزعاتِ الانفصالية.
يمكنُ القولُ إنه أعادَ تقييمَ الواقعِ بعدَ سقوطِ الدولة، لكنه لم يُعِدْ فحصَ البنيةِ الفكريةِ التي جعلتْه يعطي الوحدةَ أولويةً على الحريةِ والمساءلة. فالوحدةُ عندَه قيمةٌ عليا تكادُ تُفترضُ فائدتُها من دونِ تحليلٍ كافٍ لطبيعةِ السلطةِ التي تحكمُها. غيرَ أن الوحدةَ قد تنتجُ القوةَ أو تنتجُ مركزيةً مستبدة، والدولةُ الكبيرةُ قد تقاومُ الاستعمارَ أو تقمعُ شعوبَها، والتضامنُ الدينيُّ قد يحشدُ المجتمعَ أو يهمّشُ من لا ينتمي إلى المرجعيةِ الدينية نفسِها.
____________________________________________
الأمةُ بينَ الإسلامِ والعروبةِ وسورية
بعدَ سقوطِ السلطنةِ أصبحتْ مشكلةُ تعريفِ الأمةِ أكثرَ إلحاحًا. فقد استخدمَ أرسلان مفهومَ الأمةِ للإشارةِ إلى دوائرَ متعددة: “الأمةِ الإسلاميةِ” بوصفِها جماعةً دينيةً حضاريةً، و”الأمةِ العربيةِ” بوصفِها جماعةً لغويةً وتاريخيةً، وسوريةَ بوصفِها وحدةً سياسيةً وجغرافيةً، ولبنانَ بوصفِه وطنَه المحليَّ.
ليسَ الجمعُ بينَ هذه الدوائرِ خطأً بذاتِه، لكن التفكيرَ النقديَّ يتطلبُ تحديدَ العلاقةِ بينها: أيُّها مصدرُ السيادةِ؟ وأيُّها يحددُ المواطنةَ؟ وأيُّها يتقدمُ عندَ التعارض؟
لم يحسمْ أرسلان ذلك بوضوح. قبلَ سقوطِ السلطنةِ جعلَ الرابطةَ الإسلاميةَ والدولةَ العثمانيةَ فوقَ النزعاتِ القومية. وبعدَ سقوطِها اتجهَ إلى العروبةِ والدفاعِ عن استقلالِ سوريةَ وفلسطينَ، من دونِ أن يتخلى عن “الأمةِ الإسلاميةِ” بوصفِها المجالَ الأعلى. فأصبحتِ العروبةُ أداةً لإعادةِ تنظيمِ القوةِ الإسلاميةِ، بينما بقيتْ سوريةُ وحدةً داخلَ “الأمةِ العربيةِ”، والعروبةُ نفسُها داخلَ الجامعةِ الإسلامية.
يبدو هذا البناءُ منسجمًا نظريًا، لكنه يثيرُ إشكالاتٍ عملية. فإذا تعارضتْ مصلحةُ دولةٍ عربيةٍ مع دولةٍ إسلاميةٍ غيرِ عربيةٍ، فأيُّ رابطةٍ تُقدَّمُ؟ وإذا كانت “الأمةُ الإسلاميةُ” هي الإطارَ الأعلى، فما موقعُ المسيحيِّ العربيِّ أو المواطنِ غيرِ المتدينِ؟ وإذا كانت العروبةُ أساسَ الوحدةِ السياسيةِ، فكيفَ تُفهمُ الخصوصياتُ السوريةُ والمصريةُ والخليجيةُ والمغاربية؟ وإذا كانت سوريةُ وحدةً تاريخيةً واجتماعيةً، فلماذا تبقى حلقةً وسطى لا أساسًا لتعريفِ الأمة؟
كان اتساعُ المفهومِ قوةً في التفكيرِ التركيبيِّ، لكنه كان ضعفًا في التفسيرِ المفهوميّ. فقد أتاحَ لأرسلان مخاطبةَ جمهورٍ إسلاميٍّ أو عربيٍّ أو سوريٍّ بحسبِ الظرف، لكنه أوقعَه في انتقالاتٍ يصعبُ أحيانًا التمييزُ فيها بينَ التطورِ الفكريِّ والتكيُّفِ السياسيّ.
____________________________________________
المسألةُ الطائفيةُ وحدودُ الجامعةِ الإسلامية
ظهرَ الأثرُ العمليُّ لهذا الاضطرابِ في الثلاثينياتِ، عندما واجهَ أرسلان قضايا الانقسامِ الطائفيِّ والإثنيِّ في سوريةَ تحتَ الانتداب. ففي مجتمعٍ يضمُّ مذاهبَ إسلاميةً متعددةً ومسيحيين وأرمنًا وسريانًا وأكرادًا، لم تكنِ الجامعةُ الإسلاميةُ وحدَها كافيةً لتأسيسِ مساواةٍ سياسيةٍ كاملةٍ بينَ السكان.
برزَ هذا القصورُ في نظرتِه إلى بعضِ الحركاتِ العلويةِ والدرزيةِ وإلى اللاجئين المسيحيين في الجزيرةِ السورية. فقد ميّزَ بينَ عمومِ العلويين والدروزِ وبينَ جماعاتٍ اتهمَها بالارتباطِ بالسياسةِ الفرنسيةِ، لكنه مالَ إلى تفسيرِ النزعاتِ الانفصاليةِ باعتبارِها ظواهرَ مصطنعةً يحركُها الأجنبيُّ، من دونِ فحصٍ كافٍ للمخاوفِ التي دفعتْ بعضَ الجماعاتِ إلى الشكِّ في الدولةِ المركزيةِ أو في مشروعٍ قوميٍّ ذي مرجعيةٍ إسلامية.
كما تعاملَ مع بعضِ المسيحيين الهاربين من تركيا إلى الجزيرةِ بوصفِهم عناصرَ دخيلةً قابلةً للتحريكِ، بدلَ النظرِ إليهم بوصفِهم سكانًا ينبغي إدماجُهم في دولةِ مواطنة. وبذلك أصبحتْ شرعيةُ الجماعاتِ مرتبطةً بمدى انسجامِها مع مشروعِ الوحدة، لا بحقوقِها المتساويةِ السابقةِ على مواقفِها السياسية.
ومن منظورِ PACIER، يتمثلُ الضعفُ هنا في التحليلِ والتفسيرِ والتقييم. فقد اختُزلتْ مواقفُ الجماعاتِ في التدخلِ الأجنبيّ، بينما كان السؤالُ الأعمقُ: ما نوعُ الدولةِ التي يجعلُ الجماعاتِ المختلفةَ راغبةً في الوحدةِ؟ فالوحدةُ لا تستقرُّ بنفيِ الاختلافِ أو بردِّه إلى المؤامرة، بل بالمساواةِ والتمثيلِ والضماناتِ القانونيةِ وحريةِ المعتقد.
وهكذا بقيَ أرسلان قويًا في رفضِ التجزئةِ الاستعماريةِ، لكنه لم يطورْ مفهومًا مدنيًا واضحًا للأمةِ يفصلُ بينَ الانتماءِ الدينيِّ وعضويةِ المواطنِ الكاملةِ في الدولة.
____________________________________________
“لماذا تأخر المسلمون؟”: قوةُ السؤالِ وحدودُ الجواب
في كتابِه الأشهرِ، حققَ أرسلان أهمَّ إنجازاتِه النقديةِ عندما رفضَ تحويلَ الانحطاطِ إلى قدرٍ، وحددَ أسبابًا بشريةً قابلةً للتغييرِ، منها الجهلُ، و«العلمُ الناقصُ»، وفسادُ الحكامِ، وتزلفُ العلماءِ للسلطةِ، والجبنُ، واليأسُ، والبخلُ، والجمودُ، وفقدانُ الثقةِ بالنفسِ، وإهمالُ العلومِ والصناعات.
ويعدُّ مفهومُ العلمِ الناقصِ من أدقِّ ملاحظاتِه؛ لأن الجاهلَ قد يدركُ حاجتَه إلى التعلمِ، أما صاحبُ المعرفةِ المحدودةِ فقد يتوهمُ الاكتمالَ، فيتحولُ جهلُه إلى سلطةٍ تقاومُ التصحيح. كما يكشفُ نقدُه لتحالفِ العالمِ مع الحاكمِ فهمًا لأن الاستبدادَ لا يعملُ بالقوةِ وحدَها، بل يحتاجُ إلى شرعيةٍ دينيةٍ وثقافية.
لكن تعددَ الأسبابِ لا يتحولُ لديه إلى نموذجٍ سببيٍّ متماسك. فهو لا يحددُ أيَّ الأسبابِ أصلٌ وأيَّها نتيجةٌ، ولا يشرحُ بما يكفي كيفَ تتفاعلُ المؤسساتُ والاقتصادُ والتعليمُ والقانونُ والتكنولوجيا. هل الجهلُ سببُ الاستبدادِ أم أن الاستبدادَ ينتجُ الجهلَ؟ وهل ضعفُ الإرادةِ سببُ الفقرِ أم أن الفقرَ يحطمُ الإرادةَ؟ وهل الجمودُ الدينيُّ ناتجٌ عن النصِّ أم عن مؤسسةٍ دينيةٍ مرتبطةٍ بالسلطةِ والمصلحة؟
يميلُ أرسلان في النهايةِ إلى إعادةِ معظمِ الأسبابِ إلى الأخلاقِ والإرادة. فالأمةُ تتأخرُ لأنها لا تضحّي، ولا تعملُ، ولا تثقُ بنفسِها. وهذا تشخيصٌ قويٌّ تعبويًا، لكنه غيرُ كافٍ علميًا. فالتقدمُ الأوروبيُّ نتاجُ تراكمٍ شملَ الثورةَ العلميةَ، وبناءَ الدولةِ الحديثةِ، والجامعاتِ، والتمويلَ، والتصنيعَ، والقانونَ، والاستعمار. كما أن تحديثَ اليابانِ لم يكنْ ثمرةَ الهويةِ والإرادةِ وحدَهما، بل نتيجةَ إصلاحٍ شاملٍ في التعليمِ والجيشِ والإدارةِ والصناعة.
استخدمَ أرسلان اليابانَ لإثباتِ إمكانِ أخذِ العلمِ من دونِ التخلي عن الشخصيةِ القوميةِ، وهي حجةٌ قويةٌ. لكنه ذهبَ أحيانًا أبعدَ مما تسمحُ به المقارنةُ، فجعلَ الإرادةَ والهويةَ تفسيرًا شبهَ كافٍ للتقدم.
وبمصطلحاتِ PACIER، كان قويًا في طرحِ المشكلةِ وتحليلِ بعضِ عناصرِها وتفسيرِ العلاقةِ بينَ الدينِ والعملِ، لكنه كان أضعفَ في تقييمِ كفايةِ الأدلةِ واختبارِ الفرضياتِ البديلة.
____________________________________________
الدفاعُ عن الإسلامِ وحدودُ النقدِ الداخلي
واجهَ أرسلان فكرتين متقابلتين: فكرةً جامدةً ترى العلومَ الحديثةَ خطرًا على الدينِ، وفكرةً متغربةً ترى الدينَ سببَ التخلف. ونجحَ في تفنيدِ الادعاءِ الكليِّ بأن التدينَ يمنعُ التقدمَ، مستشهدًا بأممٍ حافظتْ على معتقداتِها وطورتْ علومَها ومؤسساتِها.
كما أعادَ تفسيرَ العلمِ في النصوصِ الدينيةِ ليشملَ دراسةَ الطبيعةِ والكونِ، لا العلومَ الشرعيةَ وحدَها. وهذه ممارسةٌ إبداعيةٌ؛ لأنه استخدمَ المرجعيةَ الدينيةَ نفسَها لتحريرِ المجتمعِ من قراءةٍ ضيقةٍ للدين.
لكن دفاعَه بقيَ محكومًا بمسلّمةٍ أن الإسلامَ الصحيحَ متوافقٌ حتمًا مع العلمِ والنهضة. ولم يسألْ بالعمقِ نفسِه عن كيفيةِ تحديدِ «الإسلامِ الصحيحِ»، أو عن الجهةِ التي تملكُ سلطةَ تفسيرِه، أو عن تعددِ التأويلاتِ داخلَ التراثِ نفسِه.
نقدَ العلماءَ الذين يحرّمون العلومَ، لكنه نسبَ موقفَهم إلى الجهلِ أو الانحرافِ، من دونِ تحليلِ المؤسسةِ التي تنتجُهم وتحمي سلطتَهم. ونقدَ الحكامَ المستبدين، لكنه لم يطورْ تصورًا دقيقًا لطبيعةِ السلطةِ أو المواطنةِ أو تداولِ الحكم. ولذلك ظلَّ نقدُه أخلاقيًا أكثرَ منه مؤسسيًا: الحاكمُ الفاسدُ يجبُ أن يصلحَ، والعالِمُ المتزلفُ يجبُ أن يستقلَّ، والأمةُ الخائفةُ يجبُ أن تُشجَّعَ؛ أما القواعدُ التي تمنعُ الفسادَ وتحدُّ من السلطةِ فلم تحظَ بالاهتمامِ نفسِه.
____________________________________________
التحررُ الخارجيُّ وحدودُ الإصلاحِ الاجتماعي
جعلَ أرسلان مقاومةَ الاستعمارِ محورًا أساسيًا، وربطَ الاحتلالَ بالتقسيمِ والاستغلالِ الاقتصاديِّ والسيطرةِ الثقافية. لكنه فهمَ التحررَ فهمًا قوميًّا وحضاريًّا أكثرَ منه اجتماعيًّا وحقوقيًّا. فقد أرادَ تحريرَ الأمةِ من الأجنبيِّ والجهلِ واليأسِ، لكنه لم يجعلْ تحريرَ الفردِ من الامتيازاتِ الاجتماعيةِ والطائفيةِ والطبقيةِ محورًا مماثلًا.
كان ابنَ أسرةٍ أميريةٍ، ولم يحتلَّ نقدُ الألقابِ الوراثيةِ أو ملكيةِ الأرضِ أو تبعيةِ الفلاحين موقعًا مركزيًا في مشروعِه. كما لم تتصدرْ حقوقُ المرأةِ، والمساواةُ المدنيةُ، والحرياتُ الفرديةُ، وتوزيعُ الثروةِ بناءَه الفكريَّ.
وهنا يظهرُ قصورٌ في تفسيرِ التخلف. فالأمةُ لا تتأخرُ فقط لأنها فقدتِ الإرادةَ، بل لأنها قد تكونُ منظمةً على أساسٍ يمنحُ السلطةَ والمواردَ بسببِ النسبِ أو الطائفةِ أو القربِ من الحاكم. لقد نقدَ أرسلان فسادَ النخبةِ، لكنه لم ينقدْ بالعمقِ نفسِه البنيةَ النخبويةَ، ونقدَ سوءَ استخدامِ السلطةِ من دونِ أن يعالجَ دائمًا مصدرَها وشرعيتَها وحدودَها.
____________________________________________
تناقضاتُ السياسةِ الدوليةِ والإسكندرون
حاولَ أرسلان استخدامَ تناقضاتِ القوى الأوروبيةِ لخدمةِ قضايا الاستقلال. فكما قاومَ فرنسا وبريطانيا، أقامَ علاقاتٍ مع دولٍ تنافسُهما، ومنها ألمانيا وإيطاليا. ويمكنُ فهمُ ذلك بوصفِه محاولةً من قائدٍ لا يمتلكُ دولةً أو قوةً مستقلةً للبحثِ عن أدواتٍ داخلَ نظامٍ دوليٍّ تسيطرُ عليه الإمبراطوريات.
لكنه يكشفُ أيضًا ضعفًا في التقييمِ الأخلاقيِّ والاستراتيجيّ. فالتفكيرُ النقديُّ لا يكتفي بالسؤالِ: من يعادي خصمي؟ بل يسألُ: ما طبيعةُ الحليفِ البديلِ؟ وما مشروعُه؟ وما الثمنُ المتوقعُ لدعمِه؟ وقد وقعَ أرسلان في خطرِ إخضاعِ السياسةِ لمنطقِ موازنةِ القوى، من دونِ إخضاعِ جميعِ القوى للمعيارِ نفسِه.
ويظهرُ ضعفُ التقييمِ كذلك في مقاربتِه لقضيةِ لواءِ الإسكندرون. فعلى الرغمِ من تمسكِه بوحدةِ سوريةَ، أبرزَ كثافةَ السكانِ الأتراكِ وقوتَهم الاقتصاديةَ، وقللَ نسبيًا من وزنِ العربِ والأرمنِ والعلويين. وبذلك اقتربَ من تفسيرِ ضياعِ الإقليمِ بتفوقِ العنصرِ التركيِّ المحليِّ، بدلَ التركيزِ على كونِه نتيجةَ تفاوضٍ فرنسيٍّ تركيٍّ على أرضٍ سورية.
وقد خلطَ بينَ وجودِ جماعةٍ تركيةٍ وحقِّها في حمايةِ ثقافتِها، وبينَ حقِّ تركيا في ضمِّ الإقليم. فحقوقُ السكانِ الأتراكِ كان يمكنُ ضمانُها داخلَ سوريةَ، ولا ينتجُ من وجودِهم حقُّ دولةٍ أخرى في نقلِ السيادةِ إليها.
كما مالَ إلى نسبةِ بعضِ الممارساتِ الفرنسيةِ إلى ضباطٍ وموظفين محليين، وافترضَ أن الحكومةَ الفرنسيةَ أو المندوبَ الساميَ قد لا يكونان على علمٍ بها. وربما كان ذلك جزءًا من خطابٍ تفاوضيٍّ يهدفُ إلى إبقاءِ بابِ المعاهدةِ السوريةِ الفرنسيةِ مفتوحًا، لكنه أدى إلى تخفيفِ مسؤوليةِ الدولةِ المنتدبة.
فالتفاوضُ مع تركيا حولَ الإسكندرون لم يكنْ تصرفًا فرديًا، بل سياسةً مرتبطةً بحساباتِ فرنسا الاستراتيجيةِ. ومن منظورِ PACIER، تمثلَ الخللُ في تقييمِ الأدلةِ والفرضياتِ البديلة: فقد فضّلَ أرسلان افتراضَ إمكانِ تصحيحِ السياسةِ الفرنسيةِ على احتمالِ أن تكونَ المماطلةُ والتقسيمُ جزءًا من قرارٍ مركزيّ. وهنا تحولتِ المرونةُ الدبلوماسيةُ إلى إفراطٍ في المسايرةِ، وطغتِ اللغةُ التفاوضيةُ على تفسيرِ الوقائعِ وتحديدِ المسؤولية.
____________________________________________
أرسلان مفكرٌ نقديٌّ داخلَ مرجعيتِه
لا يصحُّ اختزالُ أرسلان في تناقضاتِه، كما لا يصحُّ إعفاؤُه منها بسببِ وطنيتِه وغزارةِ كتاباتِه. فقد امتلكَ قدرةً حقيقيةً على طرحِ أسئلةٍ منتجةٍ، وتحليلِ أمراضٍ معرفيةٍ وسياسيةٍ، ورفضِ التفسيرِ القدريِّ، وربطِ العلمِ بالاستقلالِ، وإعادةِ تركيبِ العلاقةِ بينَ الدينِ والحداثة.
لكن نقدَه ظلَّ يعملُ داخلَ مرجعيةٍ لم يُخضعْ أساساتِها للفحصِ نفسِه. فقد افترضَ أن “الأمةَ الإسلاميةَ” كيانٌ قابلٌ للاستعادةِ، وأن العروبةَ دائرةٌ داخلَه، وأن سوريةَ وحدةٌ ضمنَ العروبةِ، وأن الوحدةَ تحققُ القوةَ، وأن الدينَ الصحيحَ لا يتعارضُ مع العلمِ، وأن الإرادةَ والتضحيةَ مفتاحا النهضة.
بعضُ هذه الافتراضاتِ معقولٌ، لكن التفكيرَ النقديَّ يطلبُ تحديدَها واختبارَها ومقارنتَها بالبدائل. وهنا كان أرسلان أضعفَ: لم يحددِ الأمةَ بما يمنعُ التناقضَ بينَ دوائرِها، ولم يفسرْ كيفَ تتحولُ الوحدةُ إلى مواطنةٍ عادلةٍ، ولم يحللْ بما يكفي المؤسساتِ والبنيةَ الاجتماعيةَ والاقتصادَ، ولم يراجعْ علنًا كثيرًا من اختياراتِه السابقة.
وأدقُّ وصفٍ لتفكيرِه أنه كان نقدًا إصلاحيًا تعبويًا: قويًا في نقدِ الواقعِ وحشدِ الإرادةِ، ومبدعًا في التوفيقِ بينَ الهويةِ والحداثةِ، لكنه أقلُّ صرامةً في نقدِ المسلّماتِ، وتحليلِ البنى الاجتماعيةِ والمؤسسيةِ، ومراجعةِ الذات.
وتبقى أهميتُه في أنه حوّلَ سؤالَ الانحطاطِ إلى سؤالٍ عن المسؤوليةِ والعمل. أما استكمالُ هذا السؤالِ اليومَ فيتطلبُ الانتقالَ من نقدِ الجهلِ إلى نقدِ المؤسساتِ التي تنتجُه، ومن نقدِ الحاكمِ إلى نقدِ نظامِ السلطةِ، ومن الدعوةِ إلى الوحدةِ إلى تحديدِ شروطِها الدستوريةِ، ومن الدفاعِ عن الأمةِ إلى تحديدِ من ينتمي إليها وعلى أيِّ أساسٍ، ومن مقاومةِ الاستعمارِ الخارجيِّ إلى مقاومةِ علاقاتِ الهيمنةِ داخلَ المجتمعِ نفسِه.
عندَها يصبحُ سؤالُ “لماذا تأخرنا؟” سؤالًا نقديًا كاملًا، لا دفاعًا عن مرجعيةٍ ولا إدانةً لجماعةٍ، بل فحصًا مفتوحًا لجميعِ الأسبابِ والمفاهيمِ والسلطاتِ، بما فيها الأدواتُ الفكريةُ التي نستخدمُها لفهمِ التأخرِ والنهوض.



