أخبار محلية

حين لم يعد أحد قادراً على الانتصار

أنطوان العويط

كان الشرق الأوسط، لعقود طويلة، يعيش على فكرة واحدة تكاد تختصر تاريخه الحديث، وتتجسّد في خلاصةٍ مفادها أنّه لا بدّ أن ينتصر أحد.
كانت الحروب تُخاض بحثاً عن انتصار، والمواجهات تُبنى على وعد بالنصر، والمجتمعات تُطلب منها التضحيات على أساس أنّ لحظة الحسم ستأتي، وأنّ التاريخ سينتهي يوماً إلى طرف غالب وآخر مغلوب.
لكنّ شيئاً عميقاً تغيّر. ولعلّ إحدى أهمّ الحقائق التي تواجهها المنطقة اليوم أنّ تحقيق انتصار عسكريّ أو اقتصاديّ لم يعد يعني بالضرورة القدرة على حسم الصراع سياسيّاً. فقد يستطيع طرف أن يربح معركة، أو أن يفرض على خصمه أثماناً باهظة، أو أن ينتزع منه موقعاً أو نفوذاً، من دون أن يتمكّن من تحويل هذا التفوّق إلى نظام مستقرّ أو سلام دائم.
واقع الحال أنّ ما يجري في الإقليم، وعلى أكثر من جبهة، أظهر تحوّلاً سياسيّاً وتاريخيّاً في مفهوم القوّة نفسه. فقد أصبحت تُقاس أكثر بقدرة الطرف على إضعاف خصمه وإنهاكه من دون هزيمة حاسمة. وعندما يتعذّر الحسم، يتحوّل الصراع تدريجيّاً من السعي لإنهاء الخصم إلى محاولة إدارة ميزان القوى معه.
ومن هنا دخلت المنطقة في تلك المساحة الرماديّة التي نعيشها اليوم. لا حرب شاملة ولا سلام مستقرّ، لا تسوية تاريخيّة ولا مواجهة مفتوحة، بل حصار وعقوبات قاسية وضربات عسكريّة، وتفاوض متعثّر، وهدنات قابلة للاختبار والانهيار.
لكنّ سقوط فكرة الحسم لا يعني تلقائيّاً ولادة السلام. فقد يستمر الصراع طويلاً إذا لم تتحوّل القناعة باستحالة الانتصار إلى يقين بضرورة التفاهم. والفرق بين الأمرين كبير. قد تقبل دولة بوقف النار من دون أن تكون مستعدّة لتسوية، وقد تتراجع قوّة عن المواجهة المباشرة من دون أن تتخلّى عن أوراقها.
فالحرب تفترض أنّ المشكلة يمكن حلّها بإسقاط الخصم. أمّا السياسة فتفترض أنّ المشكلة يجب أن تُدار عبر إيجاد مساحة، في ظلّ توازنات واقعيّة قد ترجّح كفّة على أخرى، لكن من دون أن تصل إلى إلغاء الطرف المقابل.
وطالما بقيت فكرة الانتصار الكامل حاضرة في وعي الأطراف، سيبقى السلام ناقصاً، لأنّ كل تسوية ستُقرأ باعتبارها هدنة مؤقتة أو تنازلاً اضطراريّاً في انتظار فرصة أفضل.
لكنّ المنطقة بدأت تكتشف، ولو ببطء، أنّ العالم لم يعد يسمح بسهولة بهذا النوع من الحسم. فالجيوش لم تعد وحدها التي تحدّد النتائج، ولا تستطيع القوّة العسكريّة وحدها أن تنتج نظاماً إقليميّاً مستقراً. فهناك الاقتصاد، وهناك الحصار والعقوبات، وأيضاً التكنولوجيا والأسواق، والتحالفات، والشرعيّة الدوليّة، وكلّها أصبحت عناصر في ميزان القوّة.
ولهذا يمكن أن يخسر طرف حرباً بالنقاط من دون أن يخسر كامل نفوذه، وأن يربح معركة من دون أن يربح السلام. ولعلّ هذا ما يفسّر أنّ المنطقة، رغم كلّ التوتّرات، ستبقى محكومة بمسارين متوازيين: التصعيد والتفاوض. فالضغوط الاقتصاديّة الأميركيّة على إيران قد اشتدّت، والمعارك في جنوب لبنان قد تحتدم، وقد يحقّق هذا الطرف أو ذاك مكاسب ميدانيّة، لكنّ تحويل هذه المكاسب إلى حسم سياسيّ يبقى مسألة أكثر تعقيداً. ليس لأنّ الخلافات قد اختفت، بل لأنّ أطراف الصراع بدأت تكتشف أنّ القوّة، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لصناعة نهاية مستقرّة للصراع، وأنّ ما يتعذّر حسمه لا بدّ، في مرحلة ما، من إدارته سياسيّاً.
وهذا التحوّل يفتح أمام لبنان بالتحديد فكرة متجدّدة، بل خلاّقة: الدولة. فحين يصبح الانتصار الكامل متعذّراً، يصبح التحدّي هو القدرة على تأمين الحدود، وخلق اقتصاد منتج، وضمان أمن المواطنين، وتحويل وقف النار إلى استقرار، والاستقرار إلى تنمية. ولبنان لا يحتاج إلى غلبة على أحد، ولا إلى انتصار أحد عليه، بقدر ما يحتاج إلى الخروج من حالة العجز التي أبقته لعقود رهينة صراعات أكبر منه.
وفي لحظة إقليميّة تتراجع فيها قدرة القوى على الحسم، يصبح مشروع الدولة أكثر واقعيّة لا أقل. فالدولة لا تدخل سباقاً مع أحد على الانتصار؛ مهمّتها أن تمنع الهزيمة، وتحمي السيادة، وتحتكر قرار الحرب والسلم، وتبني شروط الحياة الطبيعيّة. وربّما يكون هذا هو الدرس الذي لم نتعلّمه بعد، وهو أنّ الدول تُقاس بما تستطيع أن تحمي وتبني وتديم.
لقد عاش الشرق الأوسط طويلاً على سؤال من سينتصر. أمّا السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، فمختلف تماماً. ماذا لو لم يعد أحد قادراً على الانتصار؟
قد يستطيع الجميع أن يربحوا معارك، لكنّ أحداً لا يستطيع بسهولة تحويل تمكّنه إلى خاتمة للصراع. عندها لن يكون أمام المنطقة سوى خيارين. أن تبقى عالقة في حرب لا يستطيع أحد حسمها، أو أن تكتشف، للمرّة الأولى بجدّية، أنّ السلام ليس استسلاماً، وأنّ التسوية ليست هزيمة، وأنّ أعظم انتصار قد يكون في بناء نظام يستطيع الجميع أن يعيشوا فيه من دون أن يحتاج أحد إلى هزيمة الآخر.
وربّما يكون الشرق الأوسط، بعد كلّ هذه الحروب، قد وصل أخيراً إلى أكثر الحقائق بساطة وأشدّها قسوة. ليس ضرورياً أن ينتصر أحد كي تنتهي الحرب. يكفي أن يقتنع الجميع بأنّ أحداً لا يستطيع أن ينتصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى