خاص الموقع

هل حان الوقت لإعادة «خدمة العلم» برؤية تنموية ورقمية تُنقذ الشباب والدولة؟

بقلم وتحقيق: رئبال مرداس | باحث تقني وصحفي مختص بقطاع الطاقة واقتصاديات المدن الذكية.

كانت خدمة العلم، في ذاكرة الوجدان الوطني اللبناني، محطة فاصلة تُحوّل الشباب من مرحلة الاتكال إلى مرحلة الانضباط والمسؤولية. لم تكن المسألة مجرد تدريبات عسكرية أو التزام بجدول يومي صارم يبدأ بالرياضة الصباحية في الخامسة فجراً وتنتهي بالتعداد الصامت؛ بل كانت مدرسة حقيقية تُكسب الشاب صلابة النفس، واحترام النظام، وشرف خدمة الوطن. إلا أن قرار إلغاء الخدمة الإلزامية سابقاً لم يكن وليد المصادفة، بل جاء نتيجة تراكمات معقدة من السياسات الفاشلة، والتعثر الاقتصادي الشديد، وعجز الموازنات المتعاقبة عن تغطية كلفة الإطعام، والطبابة، واللوجستيات للمجندين، مما أدى إلى تعطيل هذه المؤسسة الوطنية الهامة بدلاً من هيكلتها وإصلاحها.

​اليوم، وفي ظل الأزمات المتشابكة، والتفكك الاجتماعي، وانتشار الفراغ والآفات بين الجيل الجديد، تصبح إعادة إحياء الخدمة الوطنية برؤية حديثة ومطوّرة ضرورة ملحّة. إن الهدف ليس إعادة إنتاج النموذج القديم بجموده، بل إعادة صياغته ضمن مسار مرحلي متعدد الأبعاد يستوعب الشباب والصبايا، ويستفيد من طاقاتهم ومؤهلاتهم العلمية، ويُعالج في الوقت نفسه المشاكل الهيكلية والمالية في الدولة.

​السياق الاقتصادي والسياسي: لماذا أُلغيت وكيف تُستعاد؟

​تسببت الأزمات المادية المتتالية وضغوط الموازنة العامة في تحويل خدمة العلم من فرصة لبناء الإنسان إلى عبء مالي على الخزينة، مما دفع القوى السياسية حينها إلى التخلي عنها دون تقديم بدائل تنموية. لتفادي هذه الأخطاء التاريخية، تعتمد الرؤية الحديثة على نموذج التشغيل التنموي المتبادل؛ حيث لا تشكل الخدمة عبئًا ماليًا صافيًا، بل تُنتج قيمة اقتصادية عبر توفير كوادر بشرية كفؤة لدعم المرفق العام والإغاثي، مما يُخفف الأكلاف التشغيلية عن الدولة ويُقدّم خدمات حيوية للمجتمع.

​رؤية تنموية جديدة: الخدمة الوطنية على ثلاث مراحل

​تعتمد هذه الرؤية المبتكرة على تقسيم فترة الخدمة إلى مراحل متكاملة تدمج الانضباط العسكري بالدور المجتمعي والتطوير الرقمي:

​1. المرحلة الأولى: التأسيس والانضباط (من شهرين إلى ثلاثة أشهر)

​المضمون: صهر المجموعات الشبابية من مختلف المناطق والبيئات في بيئة واحدة قائمة على النظام، والهندام، والالتزام بالقواعد الكشفية والعسكرية.

​الهدف: بناء اللياقة البدنية والذهنية، وتعزيز الاعتماد على النفس، وإذابة الفوارق الطائفية والمناطقية للوصول إلى روح الجماعة والمواطنة الحقيقية.

​2. المرحلة الثانية: الاستجابة والإنقاذ الميداني (ثلاثة أشهر)

​المضمون: التحاق المجندين بمراكز الدفاع المدني، والصليب الأحمر اللبناني، وخلايا الأزمات البلدية والمجتمعية.

​الهدف: خضوع الشباب لدورات مكثفة في الإسعافات الأولية، والإنقاذ، وإدارة الكوارث، والإطفاء، مع المشاركة الميدانية الفعلية. تُنمّي هذه المرحلة روح التضحية والشعور بالمسؤولية تجاه حماية المجتمع.

​3. المرحلة الثالثة: الإدارة والتطوير الرقمي (ستة أشهر)

​المضمون: توزيع المجندين والمجندات – كلٌّ بحسب تخصصاته الأكاديمية ومؤهلاته العلمية ولغاته – على مختلف مؤسسات وإدارات الدولة اللبنانية.

​الهدف: الاستفادة من الطاقات الشابة لرفد الإدارات العامة بالدماء الجديدة، ودعم مشاريع التحول الرقمي وميكنة الخدمات، وسد النقص الحاد في الكوادر التشغيلية، مما يُحقق منفعة متبادلة بين الشباب ومؤسسات الدولة.

​الأثر التنموي والاجتماعي المباشر

​مكافحة الآفات الاجتماعية: تُشكّل هذه الخدمة بيئة حاضنة تُبعد الشباب عن الفراغ، والإدمان، والسلوكيات العنيفة، عبر توجيه طاقاتهم نحو العمل الميداني والمثمر.

​ترسيخ الانتماء والوحدة الوطنية: التفاعل المباشر في خندق الخدمة والإنقاذ والإدارة يُلغي العصبيات الضيقة ويصنع جيلًا يؤمن بالمواطنة والعيش المشترك.

​تحديث المرفق العام وأتمتته: يُسهم انخراط الشباب الجامعي في الإدارات العامة بتسريع وثيرة التحول الرقمي وإعادة بناء الإدارة على أسس حديثة ومستدامة.

​إن الخدمة الوطنية وفق هذا المفهوم الحديث ليست عبئًا أو واجبًا إكراهيًا، بل هي حق للوطن على أبنائه، وفرصة حقيقية للشباب لبناء الذات والمشاركة الفعلية في صناعة المستقبل.

​التعريف بالخدمة الوطنية الحديثة:

هي منظومة تأهيلية إجبارية ومُطوّرة تهدف إلى إعداد الجيل الجديد عسكريًا، ومدنيًا، ومعرفيًا. تعتمد على دمج الانضباط الكشفي والعسكري بالمهارات الميدانية في الإنقاذ والإسعاف، واستثمار القدرات العلمية والتقنية للشباب والصبايا في تحديث مؤسسات الدولة، وذلك لبناء المواطنة الفاعلة، وترسيخ الوحدة الوطنية، وحماية المجتمع من الآفات والتفكك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى