
لم يكن ترند العودة إلى ثمانينيات القرن الماضي مجرد لعبة جديدة على مواقع التواصل الاجتماعي.
صورة واحدة، بضغطة زر، كانت كافية لأن نرى أنفسنا بملامح زمن لم نعشه، بملابس لم نرتدها، وتسريحات لم نعرفها، وفي أجواء تنتمي إلى عالم يبدو اليوم بعيدًا… لكنه فجأة صار يسكن وجوهنا.
التكنولوجيا لم تعد تكتفي بأن توثّق حياتنا، بل أصبحت قادرة على إعادة اختراعها.
ننظر إلى صورنا المعدّلة ونبتسم. نتخيل كيف كنا سنبدو لو وُلدنا قبل عقود، ونشعر للحظة بأننا سافرنا إلى زمن آخر. لكن خلف هذه المتعة البسيطة سؤال أكثر عمقًا:
لماذا يستهوي الإنسان أن يرى نسخة أخرى من نفسه؟
ربما لأننا لم نعد نعيش حاضرنا كما كان آباؤنا يعيشونه.
في السابق، كان الإنسان يعيش زمنه وينتمي إليه. صور الطفولة كانت قليلة، والذاكرة تحتفظ بما تستطيع، والسنوات تمضي ولا يمكن استعادتها إلا من خلال الحكايات والصور القديمة.
أما اليوم، فقد أصبحنا نعيش في زمن يمكن فيه تعديل الماضي، وتجريب المستقبل، وتغيير الحاضر… وحتى تغيير وجوهنا.
يمكن للتكنولوجيا أن تجعلنا نرى أنفسنا في الثمانينيات، أو في عمر أصغر، أو أكبر، أو بملامح مختلفة تمامًا.
وهنا تكمن المفارقة.
نحن نملك اليوم قدرة غير مسبوقة على تغيير صورتنا، لكننا ربما أصبحنا أقل تصالحًا مع صورتنا الحقيقية.
الترند جميل، بلا شك. فيه حنين، وخيال، ومتعة، وربما فضول لمعرفة كيف كان يمكن أن تكون حياتنا لو وُلدنا في زمن آخر.
لكن جماله يحمل شيئًا من القلق أيضًا.
فكلما تطورت التكنولوجيا، أصبح الخط الفاصل بين الحقيقة والوهم أكثر هشاشة. لم يعد السؤال: “هل هذه الصورة حقيقية؟”، بل أصبح: أي نسخة منا هي الحقيقية أصلًا؟
الصورة التي نراها في المرآة؟
أم الصورة التي نضع عليها فلترًا؟
أم الصورة التي تصنعها لنا الخوارزميات؟
أم تلك النسخة القديمة التي لم نعشها أصلًا، لكننا نشعر أنها تشبهنا؟
ربما لهذا السبب تحديدًا انتشر ترند الثمانينيات بهذه السرعة.
نحن لا نبحث فقط عن شكلنا في الماضي…
نحن نبحث عن زمن يبدو أكثر بساطة من زمننا.
زمن لم تكن فيه الحياة شاشة مضيئة في اليد، ولم تكن العلاقات تُقاس بعدد الإعجابات، ولم يكن الإنسان مضطرًا كل يوم إلى تقديم نسخة محسّنة من نفسه للعالم.
قد لا تكون الثمانينيات أجمل فعلًا. وربما لو عشناها لاشتقنا اليوم إلى التكنولوجيا التي نملكها. لكن الصورة التي صنعتها مخيلتنا عنها أصبحت رمزًا لشيء نفتقده: الإحساس بأن الحياة كانت تُعاش قبل أن تُعرض.
وهنا المفارقة الأكبر.
التكنولوجيا التي منحتنا القدرة على العودة إلى الماضي، هي نفسها التي تجعلنا نركض بسرعة أكبر نحو المستقبل.
لقد أصبح بإمكاننا أن نعيد تشكيل وجوهنا، وأن نستحضر أزمنة لم نعشها، وأن نصنع حياة رقمية كاملة… لكن يبقى السؤال الأصعب:
ماذا لو كنا، وسط كل هذه القدرة على تغيير كل شيء، قد نسينا كيف نتصالح مع ما نحن عليه؟
ربما ليست أجمل صورة هي تلك التي تجعلنا نبدو كأننا من الثمانينيات.
ربما أجمل صورة هي تلك التي تترك وجوهنا كما هي، بتفاصيلها، بعيوبها، وبآثار السنوات التي عشناها فعلًا.
لأن التكنولوجيا تستطيع أن تعيدنا إلى أي زمن…
لكنها لا تستطيع أن تمنحنا حياة أخرى.



