
لم تعد المشكلة أن تصلنا المعلومة متأخرة، بل أن تصلنا آلاف المعلومات في اللحظة نفسها، وكل واحدة منها تدّعي أنها الحقيقة. خبر يقول شيئًا، ومحلل يفسّره بطريقة مختلفة، وسياسي ينفيه، وإعلام يروّج له، ومنصة اجتماعية تصنع منه رواية جديدة، ثم يأتي الجمهور ليقاتل بعضه بعضًا دفاعًا عن حقيقة لم يتحقق منها أحد.
وهنا تبدأ المأساة.
نحن نعيش الأحداث، لكننا لا نعرف بالضرورة حقيقتها.
السياسي يريد أن يكتب الرواية التي تخدمه. الإعلام يريد أن يفرض العنوان الذي يجذب الجمهور. المحلل يريد أن يثبت أن قراءته كانت صحيحة. والمؤثر يريد أن يحصد المشاهدات. أما الحقيقة، فتقف في مكان ما بين كل هؤلاء، بلا منصة، وبلا فريق، وبلا جيش إلكتروني يدافع عنها.
الأخطر من الكذب الصريح هو نصف الحقيقة.
فالكذبة يمكن اكتشافها عندما تظهر الوقائع، أما نصف الحقيقة فيمكن أن يعيش طويلًا، لأنه يستند إلى شيء حدث فعلًا، لكنه يخفي ما لا يريد صاحبه أن نراه.
وهكذا تُصنع الذاكرة السياسية للشعوب.
ليس بالضرورة أن يُزوَّر التاريخ بالكامل؛ يكفي أن نختار منه ما نريد، ونحذف ما لا يناسبنا، ونكرر رواية واحدة آلاف المرات، حتى تتحول الرواية إلى حقيقة في وعي الناس.
ومن هنا تأتي خطورة المرحلة التي نعيشها.
فوسائل التواصل الاجتماعي لم تجعلنا أكثر معرفة بالضرورة، بل جعلتنا أكثر تعرضًا للمعلومات. وهناك فرق هائل بين الأمرين.
أن تعرف شيئًا يعني أن تفهم مصدره، وسياقه، ودوافع من ينقله، وأن تستطيع مقارنته بمصادر أخرى.
أما أن ترى المعلومة ألف مرة، فلا يعني أنها أصبحت حقيقة.
لقد تحوّل التكرار إلى بديل عن الدليل، وتحولت الثقة بالشخص إلى بديل عن التحقق، وتحولت الانتماءات السياسية والطائفية والحزبية إلى معيار للحقيقة.
نصدق الخبر لأن صاحبه يشبهنا، ونرفضه لأن ناقله لا يشبهنا.
وهنا تحديدًا نخسر قدرتنا على التفكير.
ربما كان البحث عن الحقيقة في الماضي أصعب، لكنه كان أقل ضجيجًا. أما اليوم، فنحن أمام ضجيج هائل يجعل الحقيقة تبدو كصوت ضعيف وسط مكبرات صوت لا تتوقف.
ولهذا فإن كتابة التاريخ بعد سنوات لن تكون مهمة سهلة.
سيجد المؤرخ أمامه ملايين المنشورات، ومئات الروايات، وآلاف المقاطع والصور والتصريحات، لكنه سيضطر إلى السؤال: أيٌّ منها كان حقيقة؟ وأيٌّ منها كان دعاية؟ وأيٌّ منها كان انتقامًا سياسيًا؟ وأيٌّ منها كان مجرد وهم جماعي؟
وربما يكون السؤال الأهم:
هل سنترك للأجيال القادمة تاريخًا، أم سنترك لها فوضى من الروايات المتصارعة؟
أنا أعتقد أن مسؤوليتنا اليوم ليست أن نكتب ما يرضي هذا الطرف أو ذاك، ولا أن نكون أبواقًا جديدة في سوق الأبواق.
مسؤوليتنا أن نحاول التمييز.
أن نقول: هذا حدث، وهذا ادعاء.
هذا موثق، وهذا يحتاج إلى دليل.
هذا رأي، وليس حقيقة.
وهذا ما نعرفه حتى الآن، وهذا ما لا نعرفه.
فالكاتب الذي يخاف من قول «لا أعرف» أخطر أحيانًا من الكاتب الذي يكذب.
لأن الاعتراف بعدم المعرفة هو بداية البحث، أما ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة فهو بداية التضليل.
ربما لهذا أشعر أن دراسة التاريخ اليوم ليست عودة إلى الماضي، بل دفاع عن المستقبل.
لأن الشعوب التي تسمح للآخرين بكتابة ذاكرتها نيابة عنها، ستجد نفسها يومًا عاجزة عن فهم حاضرها.
التاريخ ليس ما يقوله المنتصر فقط، ولا ما يكرره الإعلام، ولا ما يتصدر مواقع التواصل. التاريخ هو ما يبقى بعد أن يسقط الضجيج، وتُفتح الوثائق، وتُراجع الروايات، ويُسأل السؤال الذي يخشاه الجميع: ماذا حدث فعلًا؟
وربما تكون مهمتنا الأصعب في هذا العصر ألا نصدق أسرع من اللازم.
ففي زمن يستطيع فيه الجميع أن يتحدثوا، قد تصبح أعظم خدمة نقدمها للحقيقة هي أن نتوقف قليلًا… ونبحث.



