اخبار اقتصادية

هندسة الانهيار وسلطة الاحتكار: حين ترتجف بورصة العالم وتتضخم “مافيات البنزين” في بيروت!

بقلم وتحقيق: ريبال مرداس باحث تقني وصحفي مختص بقطاع الطاقة واقتصاديات المدن الذكية.

في قواعد الاقتصاد الكلاسيكي الصارم، تتحكم أسواق الطاقة بسلاسل إمداد واضحة ومعادلات محكومة بقانون العرض والطلب، تكاليف الإنتاج، ومؤشرات النمو الصناعي الكوني. لكن حين يُسقط هذا العرف على التجربة اللبنانية، تنقلب الموازين جذرياً لتتحول الأرقام إلى أدوات قهر ممنهج، وغطاء بصري تضليلي لأبشع عمليات الاستنزاف المنظم في التاريخ الحديث.

​المفارقة المريرة التي يواجهها الشارع اللبناني اليوم – حيث يتراجع برميل النفط الخام عالمياً من قمم تاريخية تجاوزت 120 دولاراً إلى حدود 107 دولارات، بينما تصرخ صفيحة البنزين (“التنكة” ذات الـ 20 لتراً) محلياً على عتبة الـ 31 دولاراً وما فوق – لا تعكس مجرد تفاوت عابر في تسعيرة المحروقات، بل تفضح بنية اقتصادية هجينة ومصممة بعناية لتحويل الأزمات العالمية إلى أرباح خيالية تحتكرها شبكات نافذة عابرة للطوائف والمؤسسات.

​فخلف الأرقام البسيطة التي تتداولها الشاشات ومواقع التواصل، تكمن بنية معقدة تتوزع فصولها بين عواصم القرار المالي، ومصافي التكرير الاحتكارية الدولية، وصولاً إلى غرف التحكم والقرار في بيروت.

​أولاً: الكواليس الدولية.. حين تتلاعب “هوامش التكرير” بـ “البرميل الخام”

​لإدراك جذر اللعبة من منظور الاقتصاد الدولي، يلزم أولاً تفكيك السقوط الشائع في فخ المساواة الساذجة بين “النفط الخام” و”المشتقات النفطية المكررة”:

​أطروحة السعر الوهمي للبرميل: إن السعر المتداول في منصات “برنت” أو “نايمكس” (107 أو 120 دولاراً) يخص النفط الخام (Crude Oil)؛ أي المادة الأولية السائلة المستخرجة من باطن الأرض، وهي غير صالحة البتة للاستهلاك المباشر في محركات السيارات قبل إخراجها في عمليات تكرير معقدة ومكلفة.

​فخ هوامش التكرير (Refining Margins): تتحكم بكبرى مصافي العالم تكتلات مالية واحتكارية كبرى. وعندما تسجل أسواق الطاقة العالمية اختناقات هيكلية في البنى التحتية للمصافي، أو تحولات في مخزونات الوقود الجاهز، تقفز “هوامش التكرير” بصواريخ اصطناعية بغض النظر عن هبوط سعر الخام. أي أن الخام يرخص في البورصة، لكن الوقود الجاهز يُصطنع له غلاء عالمي مفتعل.

​أقساط التأمين وشحن الموت: مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في خطوط التجارة البحرية، تضاعفت تكاليف الشحن وأقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على الناقلات، لتُضاف آلياً إلى الفاتورة النهائية قبل وصول الناقلة إلى الموانئ اللبنانية.

​ثانياً: الواقع المحلي.. السوق السوداء المقننة والدولرة المتوحشة

​إذا كانت البورصة العالمية تفسر جزءاً من التباين الظاهري، فإن الواقع المحلي في لبنان يمثل الجريمة الاقتصادية الهيكلية الكبرى:

​غياب السيادة الطاقوية والمصافي الوطنية: لقد أُفرغ لبنان عمداً من أي رؤية استراتيجية أو منشآت تكرير وطنية قادرة على حماية الأمن الطاقوي (كمصافي الزهراني وطرابلس التي عُطلت وتركت للصدأ)، لتظل البلاد مجرد “مستهلك أعمى” تحت رحمة شركات الاستيراد الكبرى وشبكات الاحتكار.

​الدولرة الشاملة كفخ استنزاف نقدي: بعد انهيار العملة الوطنية ورفع الدعم الكلي الذي كان يغطيه المصرف المركزي سابقاً عبر هندسات وهمية، أصبحت فاتورة المحروقات تسعّر وتُدفع بالدولار النقدي “الطازج” بالكامل. ولا تكتفي الشركات المستوردة بتحصيل تكاليف الاستيراد، بل تفرض هوامش ربح محمية قانونياً وهيكلياً تضمن لها أرباحاً صافية وثابتة مهما هبطت أسعار الطاقة عالمياً.

​جداول تركيب الأسعار الملغومة: تصدر وزارة الطاقة والمياه أسبوعياً جدولاً لتركيب الأسعار يُفترض أن يحاكي الشفافية، ليتبين أنه “مصيدة” تحتسب كل صغيرة وكبيرة لصالح المحتكرين؛ بدءاً من أجور النقل الوهمية، مروراً بسعات التخزين، وصولاً إلى عمولات المحطات وشبكات التوزيع.

​ثالثاً: الخزينة المنهوبة.. الدولة شريكاً في تجفيف جيوب المواطن

​النقطة الأكثر خطورة وإيلاماً تكمن في دور السلطة السياسية نفسها. في الدول التي تحترم شعوبها وتدير اقتصاداتها بحد أدنى من الرشد، وعندما تواجه أزمات عالمية خانقة، تلجأ الحكومات إلى آليات حماية اجتماعية عبر تخفيض أو تعليق مؤقت للضرائب والرسوم الجمركية على المواد الحيوية والاستراتيجية.

​أما في لبنان، فالتصرف جاء معكوساً تماماً: الرسوم والضرائب الثابتة المفروضة على صفيحة البنزين تشكل “البقرة الحلوب” التي تعتمد عليها الدولة لسد عجز الإدارة العامة المفلسة، وتمويل قطاعات مترهلة، وتغطية مزاريب الهدر التاريخية. السلطة لا ترغب في أن ينخفض سعر الصفيحة لأن ذلك يعني تراجع مداخيل الخزينة على حساب دم المواطن وقوته اليومي.

​الخلاصة الإستراتيجية: المواطن هو “البرميل” الأخير الذي يُفرغ

​إن المعادلة باتت واضحة بلا رتوش: العالم يتحرك وفق مصالح شركات الطاقة والبورصات الكبرى، لكن لبنان يُدار بمنظومة اقتصادية-سياسية متحكمة تحولت إلى مافيات استيراد وسلطة جبايات عمياء.

​التراجع الوهمي في أسعار النفط عالمياً يتبخر عند أول نقطة جمارك أو شركة احتكار محلية. وبينما يتباهى أهل القرار بالاستقرار النقدي المزعوم وتقاريرهم الورقية، يظل المواطن اللبناني وحدَه هو “البرميل” الحقيقي الذي يتلقى الضغط والحرارة والامتصاص، حتى يسقط النظام الريعي المتحكم بوريد الوطن برمته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى