ثقافة ومجتمع

حين تتجاوز الكلمة حدود الحرف، وتصبح الثقافة ذاكرة وطن

حين تتجاوز الكلمة حدود الحرف، وتصبح الثقافة ذاكرة وطن

في رحاب جامعة القديس يوسف في بيروت، وعلى خشبة مسرح بيار أبو خاطر، كان لي شرف المشاركة في أمسية أدبية وثقافية جمعت نخبة من الشخصيات الرسمية والسياسية والفكرية والإبداعية، بمناسبة توقيع كتابي الكاتب رائد سامي شهيب، «تتمرد المعنى على الحرف» و«معراج تسامي الهمم»، في لقاء احتفى بالكلمة، وفتح المجال أمام الفكر والحوار وتبادل الرؤى.

وقد اكتسبت الأمسية رونقها من تنوع الحضور، الذي ضم وزراء ونوابا وشخصيات رسمية، إلى جانب أدباء ومفكرين وإعلاميين وفنانين ووجوه اجتماعية وثقافية، في مشهد عكس تلاقي مجالات متعددة تحت سقف واحد، وجعل من المناسبة أكثر من مجرد حفل توقيع، بل مساحة للتواصل بين أهل الفكر والثقافة والفن والشأن العام.

ويحمل الكتابان في عنوانيهما دلالات تستحق التأمل. فـ«تتمرد المعنى على الحرف» يفتح باب التساؤل حول العلاقة بين اللفظ والفكرة، وبين ما تقوله الكلمات وما تخفيه المعاني من أبعاد وتأويلات. أما «معراج تسامي الهمم»، فيحمل إيحاءات الارتقاء بالطموح الإنساني، والسمو بالفكر والقيم، والسعي إلى تجاوز المألوف نحو آفاق أرحب من الوعي والإبداع. وهكذا يلتقي العنوانان عند مساحة مشتركة تجعل من الكلمة مدخلا إلى التفكير، ومن الكتاب دعوة إلى التأمل في الإنسان وما يحمله من أفكار وتطلعات.

ولعل قيمة هذه اللقاءات الثقافية تكمن في قدرتها على إعادة الاعتبار إلى الكتاب في زمن تتسارع فيه الأخبار وتتزاحم فيه الصور والعناوين. فالكتاب لا يمنح قارئه المعلومة فحسب، بل يفتح أمامه نوافذ جديدة للرؤية، ويمنحه فرصة التوقف والتفكير وإعادة اكتشاف المعاني من زوايا مختلفة. والثقافة، في جوهرها، ليست مناسبة عابرة، بل مسار متواصل لبناء الوعي وترسيخ الحوار وتعزيز حضور الفكر في المجتمع.

وتبقى الكلمة المكتوبة إحدى المساحات التي تحفظ الذاكرة الثقافية، وتوثق التجارب الإبداعية، وتمنح أصحاب الفكر فرصة للوصول إلى جمهور أوسع. ومن هنا، تبرز أهمية الحضور الصحافي في المناسبات الأدبية، ليس بوصفه نقلا لمشهد عابر فحسب، بل باعتباره توثيقا لمحطات تستحق أن تبقى في الذاكرة، وإضاءة على مبادرات تساهم في إثراء الحياة الثقافية اللبنانية.

لقد كانت هذه الأمسية مناسبة للقاء وجوه من ميادين مختلفة، يجمعها الاهتمام بالكلمة وقيمتها، كما شكلت فرصة للاحتفاء بالتجربة الأدبية للكاتب رائد سامي شهيب، وبما يمثله إصدار كتاب جديد من جهد فكري وشغف بالكتابة ورغبة في مشاركة الأفكار مع الآخرين.

كل الشكر والتقدير للكاتب رائد سامي شهيب على الدعوة الكريمة، ولجميع القائمين على هذه الأمسية التي جمعت بين الأدب والفكر والفن، وأتاحت مساحة للتلاقي والحوار في رحاب جامعة القديس يوسف، وتحديدا في مسرح بيار أبو خاطر.

فالأمسيات الثقافية لا تقاس بعدد الحاضرين وحده، بل بما تتركه من أثر، وما تثيره من أسئلة، وما تفتحه من آفاق أمام الكلمة والفكر. فحين يجد الحرف من يصغي إلى معناه، تتحول الكتابة إلى رسالة، ويصبح للثقافة دور يتجاوز حدود المكان والزمان.

بقلم الإعلامية دارين أبوضرغم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى