
هل صور الجثث والضحايا تصبح عاديّة، فيتعوّد الفرد عليها ولا يعود يتأثّر بها؟ وهل تلهي المشاغل اليومية النّاس عمّا يحصل في غزّة؟
كتبت باولا عطية في الصفا نيوز
مؤخّراً، حيث لجأ العديد من الأشخاص إلى اعتماد سياسة عدم التفكير أو التحدّث عمّا يحصل، ومقاطعة جميع الأخبار المتعلّقة بالأحداث في غزّة، وتجنيب تعرّضهم لهذه الصور والمشاهد القاسية. وإن شاهدوها، فدماغهم يقوم بعمليّة بلوك لتحصين الصحّة النفسيّة وحمايتها من هذه المشاعر، إلاّ أنّ ما يحصل بالفعل هو أنّ هذه الصور تتراكم باللاوعي ولا إراديا عند الأفراد، وكلّ ما في الامر أنّ الدماغ يحاول صدّها إلاّ أنّها ترسّخت وانطبعت في لاوعينا، وهي ستؤثّر إن شئنا أم أبينا في بنيتنا النفسيّة، وستجعلنا متوتّرين ومنزعجين. وطبعاً طريقة التعبير عن التوتّر يختلف من شخص إلى آخر، فمنهم من يعبّرون عنها بطريقة عنيفة، وآخرين بآليات تكيّف إيجابيّة”.
أثر تعرّض الأطفال لمشاهد العنف
من جهّتها تشرح راوية عيتاني، ميتاكوتش متخصّصة بالصورة الذاتية، في حديثها لموقع “الصفا نيوز”، أن ّ”أوّل اكتساب لمشاهد العنف والدماء والجثث، لدى الأفراد، يتبلور منذ الطفولة، في الأفلام وخصوصاً في الألعاب، حيث يألف الأطفال المشاهد العنيفة، ويشعرون بلذّة في قتل العدو أو الانتصار عليه. وارتبطت مشاهد القتل من خلال الألعاب الألكترونيّة بلذّة النّصر. وبعد أن اعتاد ذهن الأولاد على تقبّل القتل والدماء، تتحوّل العادة إلى شعور بالقلق والتوتّر فور مشاهدتهم لجثث حقيقية ودماء حقيقية لأطفال مثلهم، حيث تنتقل المشاعر من التعاطف مع القاتل إلى التعاطف مع الأطفال الأموات. وهو ما يخلق ازدواجية في المشاعر ونوع من الضياع والتشتّت لدى الطّفل، وعدم التمييز بين ما يراه وما يلعبه مع عدم القدرة على التحليل المنطقي والاستنتاج السليم للظرف والموقف الذي هو فيه. كما تظهر نتائج هذه المشاهد بسلوك عدواني لدى الأطفال وقلق من التعرّض للأذى، واستعداد دائم للدفاع عن النّفس حيث أثبتت الدراسات وجود صلة وثيقة بين السّلوك العدواني ومشاهدة صور العنف”.
التعوّد على مشاهد الدماء
وهذه المشاعر ترافق الكبار أيضا، تتابع عيتاني، “إلاّ أنّ هؤلاء تعوّدوا على الحروب بدورهم، خصوصاً من هم في الخمسينيات من العمر وما فوق، أيّ من شهدوا على سلسلة حروب وأزمات مرّت على لبنان، وبالتّالي لا تعود الحرب بالنّسبة إليهم مشهداً صادماً، حيث أنّ تكرار رؤية المشاهد الدمويّة أصبح أمراً عاديّاً بالنّسبة لهم وخلق نوعاً من التقبّل لديهم. فالعقل والحواس، من سمع ونظر، تعوّدت على هذه المشاهد. ولم تعد تشكّل صدمة لديهم”.
“ولا شكّ بأنّ مشاعر القلق والحزن والعجز، وتأنيب الضمير (أنا لا زلت على قيد الحياة فيما غيري يُقتل كلّ يوم) تبقى موجودة، وترافق الأفراد”، بحسب عيتاني، “ويفكرون بأنّ هذا العالم ليس آمناً، وأنّ الحياة ليست عادلة، وتراودهم أسئلة وجوديّة. بالتوازي مع قبول ضمني للحرب والموت ومشاهد العنف والدماء، حيث يكون الدماغ قد برمج لتقبّل هذه المشاهد على المدى الطويل”.
وأشارت إلى أنّ “البعض يلجأ إلى رفض هذه المشاهد لوعيه بأنّ مشاهدته لهذه الصور سيؤثّر عليه سلباً، لكون العقل يخزّن كلّ ما نراه، فتظهر المشاهد المخزّنة إمّا على شكل كوابيس أو على شكل شريط فيديو قبل النوم، حين يسترجع العقل كلّ ما شهده خلال اليوم. ولا فرق بآثار المشاهد العنيفة، بين من يختار مشاهدتها ومن يختار عدم مشاهدتها، فالأثر السلبي هو نفسه على الطرفين”.
وبناء على ما تقدّم، نستنتج أنّه وإن حاول البعض إكمال حياتهم بشكل طبيعي، في محاولة للابتعاد عمّا يحصل في غزّة، وعدم التأثّر به، وإن بدا لنا أنّ الحياة الطبيعيّة عادت إلى قواعدها القديمة، إلاّ أنّ الأثر النفسي لما سمعناه، وشاهدناه، يبقى مخزّناً في عقلنا الباطني، وقد يعود إلى الواجهة من جديد فجأة، وهي فاتورة الحروب التي يدفعها كلّ انسان ولو لم يكن مشاركاً فيها.



