أخبار محلية

الكلمة الرسمية في العشاء الريعي لمؤسسة سعاده للثقافة 2025، القاها رئيس المؤسسة الدكتور ميلاد السبعلي

الكلمة الرسمية في العشاء الريعي لمؤسسة سعاده للثقافة 2025، القاها رئيس المؤسسة الدكتور ميلاد السبعلي – فندق فينيسيا، بيروت

 

اسمحوا لي في البداية، باسم مؤسسة سعاده للثقافة وباسمكم جميعا، أن أرحب بالتي في بسمتها اشراقة بسمته، وفي عروقها نبض من دمه، الامينة اليسار أنطون سعاده.

 

دولة نائب رئيس مجلس النواب الصديق الياس بو صعب،

الوزير والرئيس الدكتور علي حيدر، والوزير الاستاذ فادي عبود،

أصحاب السعادة والمعالي،

سعادة رئيس الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم، المنتهية ولايته الصديق الأستاذ عباس فواز، والرئيس المنتخب الصديق الدكتور إبراهيم قسطنطين ونائب الرئيس الأول الصديق الأمين علي نسر، وأعضاء هيئة الإدارة،

 

أيها الحفل الكريم، وكلكم كرام،

 

باسم مؤسسة سعاده للثقافة، أرحّب بكم جميعاً في هذا العشاء، الذي هو مناسبة للقاء والتفكير والعمل، من أجل التعاون على رسم معالم دور ثقافي معاصر نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى.

 

أولاً: من نحن؟

 

مؤسسة سعاده للثقافة هي مؤسسة فكرية، ثقافية، بحثية، مستقلة، لا تُشكّل بديلًا عن أي مؤسسة حزبية قائمة، ولا تتبع لأي إطار حزبي، ولا تدخل في منطق المنافسة أو الانقسام، بل تسعى لأن تكون مساحة جامعة، ورافعة فكرية نهضوية، ومنفتحة على الجميع، ومشجعة على التعاون والوحدة، في سبيل خدمة الغاية الكبرى التي نلتقي حولها: نهضة أمتنا، وتحرير وعيها، وفاعلية مجتمعها ووحدته.

 

نحن لا نتعاطى بالشأن السياسي المباشر، لكننا نؤمن أن ما يعانيه مجتمعنا اليوم، في لبنان والمنطقة، هو في جوهره أزمة رؤية ووعي وثقافة وهوية، وأن الخروج من التفكك والانقسام لا يمكن أن يتحقق من دون معالجة فكرية–ثقافية عميقة.

 

من هنا ننطلق من فكر أنطون سعاده بوصفه مشروعًا ثقافيًا–حضاريًا متكاملًا، لا يقدّم حلولًا ظرفية، بل يؤسّس لرؤية استراتيجية طويلة المدى، قوامها بناء إنسان جديد يمتلك عقلية أخلاقية جديدة، ومعرفة علمية وكفاءات معاصرة، وبناء مجتمع موحّد، غير طائفي ولا مذهبي، تحكمه رابطة انتماء واحدة تساوي بين أبنائه في الحقوق والواجبات.

 

نعمل على تفعيل هذه الرؤية في ظل المتغيّرات المتسارعة في العالم، من الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية، من خلال مبادرات تساعد المجتمع، وخصوصًا الشباب، على التعامل معها بوعي وثقة وقدرة على الفعل، لا بخوف أو انبهار.

 

ولهذا نعمل، في لبنان وبقية الكيانات السورية تدريجيًا، على ترسيخ رؤية للتحول نحو اقتصاد معرفي منتج داخل مجتمع موحّد، مرتكز إلى الهوية والحضارة، ويحصّن الأجيال الجديدة بالفكر والثقافة والتفكير النقدي، بما يسمح لها بإتقان أدوات العصر دون فقدان البوصلة.

 

وقد عُرضت هذه الرؤية في لبنان على فخامة رئيس الجمهورية، وفي عدد من المؤتمرات والدراسات، وهي تضع في صلبها إعادة ترميم النسيج الاجتماعي، وبناء استراتيجية للتحول الرقمي الذكي، وتنشئة جيل يجمع بين العقلية الأخلاقية والتخصصات الحديثة، بالتوازي مع عصرنة القطاعات، وإيجاد أطر للتعاون والتكامل بين كيانات المشرق العربي، برغم اختلاف الأنظمة والتأثيرات.

 

ونحن نرى أن فكر أنطون سعاده، بما يمثّله من منهج علمي، ووعي للهوية، وثقة بقدرة الشعب على النهوض، وقدرته على الجمع بين الأصالة والحداثة ووبين التحصين الاجتماعي والانفتاح الواعي على العالم، يشكّل اليوم أرضية فكرية صلبة لبناء لبنان جديد ومشرق عربي أكثر تماسكًا.

 

ومن هذا المنطلق، نعتبر أن المعارك القادمة هي معارك ثقافية، تدور حول السرديات والمعاني ووعي الأجيال الجديدة، ولا سيما عبر الإعلام الحديث ومنصات التواصل.

 

ومهمتنا، في مؤسسة سعاده للثقافة، هي تحصين الوعي، ومواجهة الاستلاب، وبناء سرديتنا الفكرية على أسس علمية ومعاصرة، ليس لنشر الفكر بحدّ ذاته، بل لتحويله إلى برامج ومبادرات وأدوات عمل تواكب متطلبات النهوض في المرحلة المقبلة.

 

ثانيًا: الاغتراب… شريك في النهضة

 

إن وجود الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم معنا هذه الليلة، برئاستها الحالية والمنتخبة، يشكّل علامة فارقة، فنحن نؤمن أن الاغتراب لم يعد مجرد ذاكرة وطنية، بل قوة إنتاج حضاري ونهضوي، خصوصًا في هذا العصر الرقمي المترابط.

 

وتنطلق رؤيتنا من أن تفعيل دور المغتربات في الإنتاج الرقمي، والعمل عن بُعد، والتمويل التنموي، وإشراك الكفاءات والإمكانات المنتشرة على امتداد العالم، هو أحد المفاتيح الأساسية لتحقيق تحوّل نوعي في بلادنا، من دون التفريط بالهوية أو الانتماء، بل عبر تعميقهما وربطهما بالفعل والإنتاج.

 

من هنا نعمل على إطلاق شبكة للمغتربين الشباب، ترتبط بثقافة بلادها الأصلية، وتشارك في مشاريع تنموية وثقافية مشتركة، وتشكّل صلة وصل فعلية مع أقرانها في الوطن، لا مجرد امتداد وجداني.

 

وفي هذا الإطار، نسعى إلى شراكة متكاملة بين الجامعة والمؤسسة، لبناء مشاريع ثقافية في المغتربات، على غرار ما بدأ في أستراليا، حيث قدّم هذا التعاون نموذجًا واعدًا للتكامل في الأدوار، وهو المسار الذي سنواصل تطويره مع الهيئة الإدارية الجديدة للجامعة.

 

ثالثًا: الثقافة – المحور الاستراتيجي

 

نحن لا نمارس “أنشطة ثقافية”، بل نعيد طرح الثقافة كبنية استراتيجية للنهوض.

 

نظمنا عددًا من الندوات الفكرية في السنوات الماضية، وخصوصًا هذا العام، حيث تنوّعت المواضيع، وتوسّع الحضور، وتعمّق الحوار.

 

لكننا اليوم ننتقل إلى مرحلة جديدة: إطلاق برنامج ندوات بحثية ممنهجة، وفق خطة بحثية فكرية للعام 2026، تضم مجموعة ندوات بحثية متتالية، تتناول محاور: الإنسان، والأمة، والثقافة، والهوية، والتكنولوجيا، والقيادة، والدولة، والتربية، والفن، وغيرها.

 

ندواتنا ليست لقاءات خطابية، بل مقدمات لأبحاث علمية تُنشر تباعًا، ونهدف من خلالها إلى إطلاق مجلة فصلية بحثية محترفة، ترتبط لاحقًا بمركز أبحاث ثقافي يُعنى بتحديث مقاربات فكر سعاده وتطبيقاته، وربطه بتحديات العصر.

 

رابعًا: الشباب… المشروع لا الخطاب

 

لا نطمح لأخذ دور المؤسسات الحزبية أو الكشفية أو التربوية في موضوع التعامل مع الشباب، ولا الى تشكيل هيكليات مناطقية موازية لما هو قائم عند هذه المؤسسات. بل نخطط للتعاون مع ما هو موجود، وتقديم نماذج حديثة مرنة وجاذبة. وقد أعددنا لذلك برنامجًا شهريًا دائمًا للشباب، في مركز المؤسسة في بيروت، ويمكن أن نكرره بالتعاون مع المؤسسات أو البلديات أو الأندية في المناطق، ويشمل:

 

• أندية للفيلم والمسرح والموسيقى والشعر والرسم.

• ورش عمل حول الإعلام الرقمي وصناعة المحتوى.

• تدريب عملي على استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، والإنتاج الثقافي، ومواجهة التزييف الرقمي، وعلى مهارات التفكير النقدي والابداعي والريادة والتعاون.

• لقاءات حوارية ونقاشات مفتوحة وورش تدريبية تربط القيم بالواقع.

 

نحن نريد شبابًا يفكر، ويعمل، ويعبّر، ويؤثر، لا فقط شبابًا يُؤطَّر أو يُلقّن.

 

خامسًا: التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي

 

نعتبر أن الذكاء الاصطناعي ساحة معركة فكرية وثقافية وعلمية قبل أن تكون تقنية أو اقتصادية.

 

فإما أن ننتج من خلاله محتوى وتطبيقات تعبّر عنا وغير منحازة ضدنا، أو نستهلك خوارزميات مبرمجة على ثقافات أخرى، تؤثر على القيم والسلوك والخيارات.

 

من هنا نطلق برامج توعوية وتدريبية، ومنصات رقمية حديثة، ونسعى لتأسيس أكاديمية رقمية نهضوية تجمع بين الثقافة والتكنولوجيا والهوية.

 

وقد أنجزنا خطوات عملية في تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي على المفاصل الأساسية لفكر سعاده، وأنشأنا نموذجًا ذكيًا خاصًا يساعد الباحثين على البحث والتحليل والمقارنة وإعادة إنتاج المحتوى بما يناسب فئات عمرية مختلفة.

 

كما نخطط لإطلاق تطبيق ذكي أشمل يغطّي كامل فكر سعاده ونهجه القيادي ومنهجه العلمي وأبعاده الأخلاقية، ويكون متاحًا للجميع، ويعتمد أحدث مقاربات البحث والتحليل والاستخراج.

 

سادسًا: الإعلام – إنتاج فكري لا استهلاك سطحي

 

نبني مشروعًا إعلاميًا متكاملًا، من أجل الإنتاج الفكري لا الاستهلاك السطحي، يشمل:

 

• بودكاست فكري منتظم حول القضايا الوجودية والمصيرية للأمة.

• محتوى رقمي تفاعلي يخاطب الأجيال الجديدة بلغتها دون أن يفقد العمق.

• منصة تدريب إعلامي على الإنتاج النوعي المؤثر.

• رفد مشروع “الأكاديمية الرقمية النهضوية” التي ستُطلق تدريجيًا، لتجمع بين الثقافة، والتكنولوجيا، والهوية.

 

ونسعى لتطوير المشروع الإعلامي ليكون منبراً للكفاءات المقيمة والمغتربة، ومدخلًا للتفاعل مع مفكرين آخرين من مشارب فكرية متنوعة، من بلادنا والبلاد العربية والعالم.

 

سابعًا: شبكة التعاون المؤسساتي

 

في عالم مجزأ، تتعاظم الحاجة إلى التعاون والتكامل بين المؤسسات الثقافية والإعلامية والاجتماعية المستقلة.

 

ولهذا طرحنا “ميثاقًا للتعاون” مع شبكة من المؤسسات الثقافية والإعلامية والاجتماعية، يقوم على:

 

• احترام التنوع في الخطط والاختصاصات.

• تبادل الخبرات.

• تنفيذ مشاريع مشتركة.

• تنسيق العمل مع الجامعات والمؤسسات البحثية.

 

وفي هذا السياق، أنشأنا جائزة أنطون سعاده في الجامعة الأميركية في بيروت،

 

ونعمل على توسيعها عبر منحة أنطون سعاده لطلاب الدراسات العليا، في جامعات أخرى مثل البلمند والجامعة اللبنانية، على أمل تعميمها في جامعات أخرى في لبنان والمنطقة في حال تأمّن التمويل اللازم.

 

ثامنًا: الامتداد المشرقي… ثقافيًا لا سياسيًا

 

نحن نؤمن أن كياناتنا في لبنان والشام، والعراق، والأردن، وفلسطين – تشترك في بنية ثقافية–اجتماعية عميقة.

 

ولهذا نعمل على فكرة مؤتمر ثقافي مشرقي سنوي، تشارك فيه المؤسسات الثقافية والبحثية، والجامعات والوزارات، لإعادة بناء لغة التعاون والتفاعل الثقافي والاجتماعي، والسردية المشتركة التي تشكّل الأرضية الحقيقية لأي تكامل تنموي أو اقتصادي لاحق.

 

ونحن اليوم في صدد إطلاق شراكات مع بعض المؤسسات في هذه الكيانات، لإقامة أنشطة مشتركة ثقافية وتربوية وبحثية.

 

تاسعًا: أدوات الشراكة والتمويل

 

إلى جانب الرؤية والمشاريع، نعمل على تطوير أدوات معاصرة للتمويل تسمح بتحويل القناعة إلى فعل مستدام.

 

منها مشروع Tax Deductible Donations مع إحدى الشركات المتخصصة في أستراليا، والمعتمدة من قبل الحكومة الاسترالية، والذي بلغ مراحله الأخيرة، ونطمح بعد استكماله إلى تعميمه، عبر شركات مشابهة، في بعض دول أوروبا وفي أميركا، حيث أمكن، بما يسهّل دعم مشاريع المؤسسة الثقافية والتنموية بشكل منظّم وشفّاف، بحيث يحسم أي تبرع الى مشاريعنا المعلنة، من مجموع الضرائب التي يدفعها الأفراد أو المؤسسات في تلك الدول.

 

كما نعمل على آليات التمويل الجماعي (Crowdfunding)، ولا سيما للمشاريع الشبابية، والإعلامية، والبحثية، حيث يكون الدعم بقيمة رمزية من عدد كبير من الاشخاص.

 

ومن هنا، تأتي دعوتنا إلى الشراكة في المشاريع، ليس فقط عبر التمويل، بل أيضًا عبر الخبرة، والوقت، والمبادرة، والعلاقات، لأن هذه المشاريع لا تُبنى إلا بتكامل القناعة والدعم والعمل.

 

دعوة إلى الشراكة في المشاريع

 

كل محور من المحاور التي تحدثنا عنها الليلة، ليس فكرة نظرية، بل مشروع قابل للتنفيذ، ويحتاج إلى شراكة في التمويل، والمتابعة، والدعم.

 

وقبل هذا اللقاء اليوم، تكفّل بعض الأصدقاء المغتربين في دولة خليجية، بتغطية كلفة مشروع البودكاست. وهناك من بدأ معنا حوارًا حول دعم الأكاديمية الرقمية.

 

وآخرون يسألون كيف يمكنهم المساهمة في دعم الندوات البحثية، أو المجلة الفكرية، أو مركز الأبحاث، أو المؤتمرات الثقافية.

 

لهذا نطرح أمامكم اليوم مجموعة مبادرات واضحة، يمكن لكل شخص أو مجموعة أو مؤسسة أن تدعمها، جزئيًا أو كليًا، شهريًا أو سنويًا، بحسب الإمكانيات، وبمقابل نتائج ومؤشرات قابلة للقياس، وأثر مباشر.

 

من هذه المبادرات المطروحة للشراكة:

 

1- المشروع الشبابي (البرامج، التدريب، الأندية)

2- مشروع البودكاست والإعلام التفاعلي

3- الأكاديمية الرقمية النهضوية

4- مركز الأبحاث وإطلاق المجلة الفكرية

5- برنامج المنح الجامعية ودعم الباحثين

6- المؤتمر الثقافي السنوي في المشرق العربي

7- شبكة التعاون بين المؤسسات الثقافية النهضوية

8- شبكة المتحدرين في الاغتراب

 

المطلوب ليس فقط دعماً مادياً، بل بالخبرات والمواهب والوقت. لذلك، نأمل أن يجد كل منكم فيها محورًا أو اثنين يعبّر عن اهتمامه، أو يحب أن يراه مزدهرًا، ويمكن لمن يرغب أن يتواصل معنا بعد العشاء، لنترجم هذه الاهتمامات إلى عمل.

 

وفي هذا السياق، نرحّب بكل من يرى نفسه قريبًا من رؤية المؤسسة ونهجها، بأن ينضم إليها، وفق الشروط والمعايير التي تحفظ طبيعتها الفكرية ودورها الثقافي، فالمؤسسة لا تقوم بالأفراد، لكنها لا تنهض من دونهم.

 

ختامًا: لسنا وحدنا، ولا نريد أن نكون وحدنا

 

هذه المؤسسة ليست مشروع نخبة، ولا حنينًا إلى ماضٍ جميل، ولا واجهة رمزية.

 

هي جهد جماعي لبناء فعل ثقافي حي، ومعاصر، ومنتج، ومنفتح، وعميق.

ولسنا هنا اليوم، لمجرد طلب تبرع، بل طلباً لشراكة في القناعة تؤدي الى شراكة في العمل.

 

ففي المرحلة المقبلة، المعركة ليست فقط على الجبهات، بل في الثقافة.

في السردية، وفي القناعات، وفي وعي الجيل الجديد.

 

فلنبنِ معًا،

ثقافةَ نهضةٍ، وفكرَ أمةٍ، ومجتمعَ فعل.

و شكرًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى