
وجّهت الزميلة ميراي صافي عيد رسالة إلى رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، استناداً إلى تصريحه الذي أكّد فيه بوضوح أنّه “كان يفترض بالجهات المعنية اتخاذ الإجراءات الاحترازية المناسبة لمنع انهيار الأبنية المتهالكة في طرابلس”.
وأكدت عيد أنّ هذا الموقف الرئاسي ينسجم تماماً مع ما كانت قد قالته وكتبته سابقاً:
“هذه ليست فاجعة… هذا قتل بسبق الإهمال وإجرام لا يُغتفر”.
واعتبرت أن كلام فخامة الرئيس يشكّل توصيفاً صريحاً لوجود تقصير إداري واضح، ما يستوجب تحديد مصدره وتحميل المسؤوليات كاملة من دون أي مواربة.
فخامة الرئيس،
إذا كانت الجهات المعنية لم تقم بواجباتها، فمن البديهي أن تُعرف هذه الجهات بالاسم والصفة والصلاحية. فإدارة شؤون السلامة العامة، ومتابعة الأبنية الآيلة للسقوط، واتخاذ قرارات الإخلاء أو الترميم أو الهدم، تقع ضمن صلاحيات إدارية واضحة، تبدأ بالمحافظة وتمتد إلى القائمقاميات والبلديات والجهات الفنية المختصة، وصولاً إلى لجان إدارة الكوارث على مستوى المحافظة.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الدور المحوري للمحافظ المكلّف في الشمال، الذي يتولى أيضاً رئاسة هيئة إدارة الكوارث في لبنان الشمالي. فبحسب المرسوم الاشتراعي رقم 116 تاريخ 12/6/1959 (التنظيم الإداري)، يُعتبر المحافظ المسؤول الأول عن تنفيذ القوانين والأنظمة والتعليمات العامة داخل نطاق محافظته، وهو المخوّل قانوناً اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحفظ النظام والسلامة العامة وحماية الأرواح والممتلكات.
ويمنح القانون المحافظ صلاحيات مباشرة في التنسيق بين الإدارات، والرقابة على الدوائر والموظفين، وطلب مؤازرة قوى الأمن الداخلي ووضعها بتصرفه عند الضرورة، ما يجعل مسؤوليته في حالات الخطر الداهم كالأبنية المهددة بالانهيار مسؤولية فعلية لا شكلية، ومرتبطة مباشرة بحياة المواطنين.
من هنا، فإن أي تقاعس في اتخاذ إجراءات استباقية، رغم وجود تقارير أو مؤشرات خطر، يضع المسؤولية الإدارية في موقع المساءلة المباشرة.
وعليه، نطالب فخامتكم، وانطلاقاً من روح تصريحكم، بتكليف وزير الداخلية والبلديات إجراء تحقيق إداري وفني شفاف قبل أي خطوة أخرى، على أن يشمل:
مراجعة كل التقارير السابقة المتعلقة بالأبنية المنهارة.
تحديد ما إذا كانت هناك إنذارات أو كتب رسمية لم يُعمل بها.
مساءلة كل من قصّر أو أهمل أو تجاهل واجباته.
إعلان نتائج التحقيق للرأي العام بكل شفافية.
إن تحميل المسؤولية ليس استهدافاً لأشخاص، بل هو دفاع عن أرواح الأبرياء الذين سقطوا نتيجة الإهمال. فدماء الأطفال الذين قضوا تحت الركام لا يجوز أن تُطوى ببيان عزاء، ولا أن تُقابل بكلمات تضامن فقط، بل بعدالة واضحة تعيد ثقة الناس بدولتهم.
فخامة الرئيس،
أمام هذا المشهد المهيب الذي تختلط فيه أرواح الشهداء بأشلاء الجرحى، وتتعالى فيه أصوات الثكالى، وتتشرد فيه الطفولة تحت ركام البيوت، ويئنّ فيه النساء من الفقد والعجز، ويبيت الأحياء بلا طعام ولا شراب ولا مأوى… لا يملك الضمير الحي إلا أن يقف موقفًا واضحًا لا لبس فيه.
وكنتم قد أشرتم في كلمتكم إلى دولة عادلة متوازنة تعطي كل ذي حق حقه. والعدل يبدأ من هنا: من مساءلة الجهات التي كان يفترض بها أن تمنع الكارثة قبل وقوعها. فالناس لا تطلب المستحيل، بل تطلب أن تشعر أن هناك دولة تحاسب، وأن المسؤولية ليست شعاراً بل ممارسة.
إن طرابلس الجريحة، التي نزفت أبناءها بسبب الإهمال، تستحق تحقيقاً جدياً، ومحاسبة حقيقية، وخطة واضحة لمعالجة كل الأبنية المهددة قبل أن تتحول المأساة إلى عادة.
الرحمة للشهداء الأبرياء، والصبر لأهلهم، والرجاء أن تكون هذه الفاجعة بداية تصحيح لا محطة نسيان جديدة.



