
ثَمّة وطنٌ لا يُشبه سواه؛ يُتقن ما تعجز عنه الجغرافيا حين تضيق، فيصنع للوجود منفذًا من حافة العدم، ويجعل للأمل مقامًا فوق حطام الأمكنة.
في هذا الوطن، تُنتزع الحرّية من بين فكّي الركام، لا كترفٍ بل كفعل بقاء. يُطوِّقها إلغاءُ الصوت، وتعميمُ الفوضى، ونشرُ العبث. لكنّها، رغم ذلك، تبقى؛ كأنّها وعدٌ خفيّ بأنّ حبّة الحنطة، وإن دُفنت عميقًا تحت الوعر، لا تموت، بل تواصل نبضها حتى تُورق سنبلة.
الترابُ نفسه في هذا الوطن صار دفتراً متعبًا، تُسطَّر على صفحاته حكاياتُ النزف والموت. وبعنادٍ جلل طاهر، لا يكفّ عن إنباتٍ أخضرَ خجولٍ يتسرّب من بين الشقوق، لا ليُجمِّل الخراب، بل ليُشهر، في صمته، رايةَ الخفقان.
ومن قلب عبء الجراح، يتسرّب خيطُ نورٍ، كأنّه ميثاقٌ مكرّس بأنّ الدم في الوريد، رغم وجع الحجارة والروح، لا يخبو ولا ينطفئ.
الخوف هنا ليس ظلًّا يمرّ ويزول، بل كائنٌ مقيم، يتسرّب إلى أدقّ التفاصيل ويستقرّ فيها كقدرٍ يوميّ. يسكن الطرقات التي تحفظ وقع الخطى المرتبكة، ويصغي في الجدران التي تختزن صدى الانتظار، ويطلّ من عيني أمٍّ تُجزّئ الزمن بين خبرٍ وخبر، كأنّها تمسك بالدقائق لئلّا تنفلت. وكأنّه حقيبة تُحزَم على عجل، لا لتُعلن رحلةً، بل لتستبق المجهول.
ليله لم يكن يومًا مرادفًا للسكينة. في معظمه، يتحوّل إلى دهرٍ معلّق، ساعةٍ ممدودةٍ على حافّة ما قد يحدث وما يُرتجى ألّا يحدث. يمتدّ كصخرٍ على الصدور، كأنّه اختبارٌ منصتٌ لمدى احتمال الروح.
وحين يشتدّ وابلُ النار، لا ينكفئ الناس إلى داخلهم كما تُملي الغرائز الأولى، بل يخرجون، أكثر حضورًا، يملأون الشوارع بما تبقّى من ومض أنفاسٍ تكاد تُحصى كي لا تضيع. يأتونها ليقتنصوا ما انقطع من هواء، ويرفعون أصواتهم في وجه هدير الموت، لا تحدّيًا صاخبًا، بل تمسّكًا أخيرًا بالكينونة.
تمرّ رحى النزاعات على هذا الوطن، ولا تملّ الطريق. وإذ تُطيل المقام، لا يمنحها الناس سيادةَ المعنى؛ يعترفون بالألم، يسمّونه، لكنّهم يرفضون أن يُقيموه أميرًا على أرواحهم. كأنّهم، في حدسٍ عميق، يعرفون أنّ الاستسلام له هو الهزيمة الوحيدة التي لا يُعاد بعدها بناء.
وهو ألمٌ، على قسوته، لا ينجح في إخماد تلك الشرارة الخفيّة التي تُبقي القلب قلبًا. شيءٌ ما، لا يُرى ولا يُوصف، يرفض أن ينطفئ؛ كأنّه رحيقٌ مزروعٌ في أحشاء هذا المكان، يُجدّد الحياة كلّما أوشكت على الانكسار.
فما سرّك يا هذا الوطن؟
ليس فرحك، فقد غاب كقمرٍ تائه، ولا صلابتك، فالحجارة هنا تعرف التصدّع كما القلوب.
إنّه هذا الاشتباك المُرهِق بين بهجةٍ مؤجَّلة، وحزنٍ مقيمٍ لا يزول.
فكيف ينشرح صدرٌ وهو يرى الغد هشًّا بوضوحٍ جارح؟ وكيف يُشيِّد شعبٌ أيامه فوق أرضٍ ترتجف تحت أقدامه، ويحبّ؟
حتّى الحبّ هنا لا يخضع لمنطقه المألوف. حبٌّ يعرف مناوءه، ويُصافحه بلا تردّد.
لا يؤجّل أصحابه مواعيدهم، لكنّ القصص، رغم ذلك، لا تكتمل دائمًا؛ بعضها يُختصر بنصف سطر، وبعضها يتوقّف عند عتبةٍ لم يكن يجب أن تكون نهاية. هكذا، لا تشبه المآلات بداياتها، ولا تفي الخواتيم بوعودها. وحين تختلّ العهود والمواثيق، لا ينتظر الناس عودتها، بل يصوغون لها وجهًا آخر. هي بدائلُ تولد من الحرّية، وتُستولد من الضرورة؛ حلولٌ مُرّة، وحِيَلٌ للبقاء، وسعيٌ دائم للنجاة من غرقٍ يتبدّل شكله ولا ينتهي.
وفي هذا الوطن، لا تُقاس قيمة الإنسان بما يملك، بل بما يفيض عنه. ولا تُقاس قامته بما ادّخر، بل بما منح حين ضاق كلّ شيء.
قد لا يحوز شيئًا… وقد يكون قد خسر ما لا يُستعاد، ومع ذلك يمدّ يده كأنّه يزرع في الفراغ،
ويفتح بابه كأنّه يعيد تشكيل العالم، ويقاسم الآخر ما تبقّى، لا من فائضه، بل من نقصه، فيداوي أمتعة النزوح، وأسماء التشريد والاقتلاع، وقد تراكمت طبقةً فوق طبقة، حتى أنَّ الأرض أنَّت تحت ثقلها.
هنا، الكرامة لا تُمتلك… بل تُمارَس؛ أن تُعطي حين لا يبقى ما يُعطى، وأن تصون وجه الإنسان،
حتّى حين تتهاوى كلّ الأقنعة.
لذلك، لا يسقط هذا الوطن. حين ينكسر، لا يتناثر؛ ينحني ليجمع شظاياه، ويلملم نفسه بوجوه ناسه، بإصرارهم على ألّا يتشوّه الجوهر، ولو تلاشى كلّ شيءٍ سواه. كأنّهم حبله السرّيّ، وكأنّه فيهم يقيم، لا على الأرض، بل في القلوب.
هو ليس دولةً تُعرَّف بحدودٍ وخرائط، بل حالةٌ تتشكّل كلّ يوم بين نقيضين. حياةٌ تُصرّ أن تظهر، أن تتقدّم، أن تُعلن نفسها، وموتٌ لا يكلّ من المطاردة، يُلاحقها كظلٍّ ثقيل. وبينهما يولد هذا التوتّر الغريب. ثقافةُ عيشٍ تقف في وجه موتٍ مُلحّ، وذاكرةُ وجعٍ تسكن قلب الفرح، لا لتُلغيه، بل لتمنحه عمقًا لا يُشترى.
فلا تبحثوا عن سرّه في تقارير الحرب، ولا في نشرات الأخبار. ابحثوا عنه في هذا التوازن المستحيل. في ضحكةٍ تخرج من بين الدموع كأنّها معجزةٌ بهيّة، وفي يدٍ تمتدّ لتُمسك بأخرى، لا لأنّ الطريق آمن، بل لأنّه ليس كذلك.
إنّه وطنٌ لا يكتفي بأن يبقى حيًّا، بل يُصرّ، في كلّ مرّة، أن يخترع الحياة من جديد.
وطنٌ… اسمه لبنان.



