خاص الموقع

وجعٌ عابر للأجيال: هل تعلمنا من بشاعة “الأخوة الأعداء”؟

بقلم: ريبال مرداس

لسنا “جيل الحب” بمعناه الرومنسي، بل نحن جيلٌ كبر على “وجع الحرب” الذي لم يعشه بالرصاص، بل ورثه بالدموع والقصص. نحن الذين لم نشهد المتاريس، لكننا ورثنا ندوبها في ملامح أهالينا وفي بحّة أصواتهم وهم يروون كيف تحول الوطن فجأة إلى ساحة، وكيف صار الأخ غريباً عن أخيه.

​بشاعة الاقتتال: حين يسقط “الإنسان”

بشاعة الحرب الأهلية اللبنانية لم تكن في تدمير الحجر فحسب، بل في تفتيت الروح. إن أصعب ما يمكن أن يوثقه التاريخ هو تلك اللحظة العبثية التي يرفع فيها ابن الوطن سلاحه في وجه شريكه في الأرض والمصير. لقد كانت الحرب “إلغاءً للعقل” ولحساب الغرائز الطائفية والمناطقية الضيقة. من مآسي أهلنا، تعلمتُ أن الحرب لا رابح فيها؛ فكل رصاصة طائشة كانت تخترق مستقبلنا نحن، الجيل الذي جاء ليجد نفسه يلملم شظايا ذاكرة محطمة.

​الانتماء: فعل إيمان لا شعار

من هنا، من قلب هذا الوجع، يبرز مفهوم “الانتماء الحقيقي”. إن الوطن ليس فندقاً نغادره حين تسوء الخدمة، بل هو وجودٌ وقضية. الانتماء هو أن تؤمن بأن خيك اللبناني، مهما اختلف معك في السياسة أو المعتقد، هو سندك الوحيد. إن قوة لبنان لا تكمن في سلاحٍ مستورد أو دعمٍ مشروط، بل في “المناعة الداخلية” التي تجعل من المجتمع سداً منيعاً أمام رياح الفتن.

​وهم الارتهان وكرامة السيادة

أكبر خطيئة ارتكبت بحق لبنان، وما زالت تُرتكب، هي “الارتهان للخارج”. لقد علمنا التاريخ أن الدول لا تقدم هدايا مجانية، وأن كل ارتهان للخارج هو تنازلٌ طوعي عن الكرامة والسيادة.

​السيادة هي أن يكون قرارنا نابعاً من مصلحة قرانا ومدننا وشوارعنا.

​التبعية هي التي حولت لبنان في الماضي، وبدأت تحوله اليوم، إلى صندوق بريد لتصفية حسابات الأمم.

إن الاستقواء بالأجنبي على ابن الوطن هو انتحارٌ سياسي وأخلاقي؛ فالمستقوي بالخارج يسقط أولاً حين تنتهي مصلحة ذلك الخارج.

​لبنان اليوم: صرخة للوعي

ما نمر به اليوم ليس مجرد أزمة اقتصادية أو سياسية، بل هو امتحان لمدى وعينا. هل تعلمنا من مأساة أسرنا؟ هل أدركنا أن كرامة اللبناني تبدأ من استقلالية قراره؟

الحاجة اليوم هي لـ “نهضة وطنية” تعيد الاعتبار للإنسان اللبناني، وترفض أن يكون لبنان ساحة مستباحة. خلاصنا ليس في حقيبة ديبلوماسي، ولا في انتظار “كلمة السر” من وراء الحدود. خلاصنا يبدأ حين نقرر أن نكون أسياداً في أرضنا، ومحبين لبعضنا، ومنتمين لوطننا أولاً وأخيراً.

​الحرب تنتهي فعلياً حين تسقط المتاريس من العقول، وحين ندرك أن “لبنان السيادي” هو الحصن الوحيد الذي يحمينا من غدر الزمان ومن أطماع الطامعين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى