
في لبنان، لا تُقاس المفاوضات بقدرتها على إنتاج تسوية بقدر ما تُقاس بقدرتها على توضيح موازين القوى وكشف مدى تشتتها. وجولات التفاوض التي جرت في واشنطن بين لبنان وإسرائيل ليست استثناءً. فهي، على الرغم من طابعها الدبلوماسي الرسمي التقليدي، تعكس بنية أكثر تعقيدًا تقوم على تداخل ثلاثة مستويات: داخلي، تُحدّده موازين القوى اللبنانية. وإقليمي، تُعيد العواصم العربية، وفي مقدّمها الرياض، صياغة هوامشه. ودولي، تتصدره واشنطن بوصفها إطارًا للضغط والضبط.
ضمن هذا السياق، يبرز موقف نبيه برّي بوصفه مدخلًا لِفهم آلية عمل هذه البنية أكثر من كونه مجرد تموضع تفاوضي. فهو يتحرك داخل ما يمكن تسميته بـ “السيادة الهجينة”، حيث لا يُحتكر القرار داخل الدولة، بل يتوزع بين المؤسسات الرسمية وقوى غير دولتيّة، وفي مقدّمها “حزب الله”، ضمن توازنات تمنع الحسم وتُبقي السياسة في حالة إدارة دائمة للتناقض.
وبدل أن يكون الغموض السياسي خللًا في هذه البنية، فإنه يتحوّل إلى أداة تشغيل لها، أي إلى وسيلة لإدارة التوتر بين المستويات الثلاثة بدلًا من حلّه. ولأنه لا يُنتج وضوحًا في القرار، فهو يتيح تعدّد مسارات الحركة ضمن سقوف متداخلة. بناءً على ذلك، فإن الشروط التي يطرحها نبيه برّي، من وقف العمليات إلى الانسحاب وإعادة الإعمار، لا تهدف إلى فتح مسار تفاوضي بقدر ما تُعيد ضبط شروطه، إذ ترفع سقفه إلى مستوى يصعب تحقيقه. فهي تتيح لرئيس المجلس أن يبدو متجاوبًا من دون تقديم تنازلات، وأن يعترف بالمسار الدبلوماسي من دون الالتزام به. عمليًا، يتحول الغموض هنا إلى أداة فرز: يصبح الانخراط ممكنًا نظريًا، لكنه مؤجَّل سياسيًا.
لكن البُعد الأكثر دلالة يظهر على المستوى الإقليمي. فالاتصال بين نبيه برّي ووزير الخارجية السعودي، وما تضمنه من شُكر للمملكة على جهودها في وقف التصعيد، لا يعكس تحوّلًا في التموضع السياسي بقدر ما يعكس إعادة تشكيل لهندسة الوساطة. فإدخال المملكة العربية السعودية لا يفتح مسارًا بديلًا، بل يُضيف طبقة جديدة إلى شبكة الوساطة القائمة، بما يسمح بتوزيع الضغط الأميركي بدلًا من مواجهته بشكل مباشر.
هذا التطور يكشف أن ما يجري ليس تعديلًا في الموقف بقدر ما هو انتقال في طريقة إدارة القيود. فبينما تتحرك السلطة التنفيذية نحو اختبار المسارات الدبلوماسية تحت ضغط دولي مباشر، يضع نبيه برّي حدود هذا المسار عبر ضبط المقبول سياسيًا داخليًا واستكشاف الممكن دبلوماسيًا، بما يتوافق مع الحسابات الاستراتيجية لـ “حزب الله”، بحيث يبقى أي انفتاح تفاوضي مشروطًا بعدم كسر هذا السقف.
ويؤدي ذلك إلى نمط يمكن وصفه بـ “الغموض المشروط”: ليس ترددًا، بل إدارة دقيقة للالتزام الجزئي. فالمواقف تُصاغ بطريقة تسمح بالانخراط من دون التورّط، وبالاعتراف بالمسار من دون امتلاكه. في هذا السياق، لا يعود الهدف التأثير في اتجاه التفاوض بل التحكّم بحدوده، وفي نفس الوقت، تجنب الكلفة من دون التخلّي عن الموقع.
ضمن هذا الإطار، يتسم موقف نبيه برّي بما يمكن وصفه بـ “موقع التوازن العازل” (Buffer Posture)، حيث ينجح في الحفاظ على انسجام غير مُعلن مع رفض “حزب الله” أي مسار تفاوضي مباشر، من دون أن يتبنى هذا الرفض أو يعلنه بشكل صريح. وبصفته رئيسًا لمجلس النواب، يحرص على تثبيت موقعه كممثل لمؤسسة الدولة، بما يتطلبه ذلك من خطاب غير مُعادٍ للتفاوض، لكنه في الوقت نفسه يتجنب الانخراط في أي مسار قد يُحدث شرخًا داخل الجبهة الشيعية أو يُضعف تماسكها السياسي. بهذا المعنى، لا يقوم موقفه على الحسم أو التماهي الكامل مع أي طرف، بل على إدارة دقيقة للفاصل بين الشرعية المؤسسية والالتزامات السياسية الفعلية.
في المحصلة، لم يعد السؤال ما إذا كان لبنان سيفاوض، بل كيف تُدار المفاوضات داخل نظام مُتعدّد الطبقات من الضبط السياسي. فالمسار التفاوضي لا يتشكّل عبر مركز واحد للقرار، بل عبر شبكة متداخلة من الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، حيث لا يُهَيمن أي طرف بالكامل، لكن جميعهم يشاركون في ضبط الإيقاع العام.
في هذا المعنى، ليست “السيادة الهجينة” حالة انتقالية، بل هي بُنية تشغيلية قائمة بذاتها: تُجزّئ السلطة، تُوزع الوساطة، وتُبقي الوضع القائم قائمًا عبر منع الوصول إلى الحسم.



