
ليس لبنان اليوم على هامش ما يجري في المنطقة، بل في صميمها؛ لا بوصفه لاعبًا مكتمل الحضور، ولا كضحيّةٍ صامتة، بل ككيانٍ معلّقٍ بين أن يُدار بإرادات الآخرين، أو أن ينهض من عمق ذاته. هذه الثنائيّة التي حكمت المشهد حتّى الأمس ليست توصيفًا عابرًا، بل معادلة وجوديّة تحكم مساره وسقف احتمالاته. فهو، في لحظته الراهنة، لا يعيش خارج التحوّلات بل في صلبها، ولا يتلقّى ارتداداتها فحسب، بل يتشكّل على إيقاعها.
لم تكن العواصف في تاريخ هذا الوطن حدثًا طارئًا، بل تكاد تكون النمط الملازم لنشأته السياسيّة الحديثة. غير أنّ ما يميّز المنعطف الراهن أنّ الإعصار الضارب لم يعد محليًّا، ولا حتى إقليميًّا بالمعنى التقليديّ، بل أصبح جزءًا من تحوّل بنيويّ أوسع تُعاد فيه صياغة موازين القوى، وإعادة رسم الخرائط، على وقع تسويات كبرى تتجاوز الجغرافيا المباشرة. يُعلَن بعضها، فيما يُدار أكثرها في الظل، عبر تفاهمات غير مكتملة، ومقاربات متغيّرة لمفهوم النفوذ نفسه.
في مثل هذه اللحظات، لا يعود السؤال كيف ينجو لبنان فحسب، بل كيف يخرج مختلفًا؛ كيف يُعاد اختراعه لا كفكرة رومانسيّة، بل كضرورة سياسيّة، وكيف يتبدّل موقعه من ذاتٍ منكسرة إلى موقعٍ قادر على الفعل، إذ لم يعد مسألة بقاءٍ سلبيّ، بل مسألة وجودٍ أو عدم.
هذا التحوّل، على دقّته وتعقيده، يحمل فرصةً في الانتقال من ساحةٍ تُستَخدم إلى طرفٍ فاعلٍ مُفاوِض بذاته، وقد بادر لبنان إلى ذلك ونجح، وحسنًا فعل، في تبدّلٍ جذريّ في الوعي والوظيفة معًا.
وإذ يُقبل على التفاوض المباشر، فبسبب من استجلب الحرب، ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه. ومن دون أوهام وأحلام ورديّة، يطرح هذا المسار الطويل والشائك كأداةٍ مرجّحة لاستعادة القرار الوطنيّ من جهة، والحقوق المهدورة من جهةٍ أخرى، في ظلّ تهاوي الخيارات التي اعتُمِدت خارج إطار الدولة مرّةً ومرّتين وأكثر من ذلك، والتي أسهمت في ترسيخ واقعٍ مأزوم، وأدخلت البلاد في دورة إنهاكٍ سياسيّ واقتصاديّ وعسكريّ وسياديّ متعاظم.
بموضوعيةٍ مجرّدة، لا يمكن إنكار أنّ السيادة الوطنيّة في لبنان تعرّضت لتآكلٍ طويل، ولاختراقاتٍ وانتهاكاتٍ ومهانات، حيث تداخل فيه الداخليّ بالخارجيّ، وتضافرت عليه عوامل ضعفٍ بنيويّ مع تدخّلاتٍ متكرّرة أعادت تشكيل موازين الداخل أكثر من مرّة.
غير أنّ هذا الواقع، مهما كان قاسيًا، لا يُواجه بالشعارات ولا بمحاولات القفز فوقه، بل بتفكيكه وإعادة تركيب عناصره ضمن نهجٍ سياسيّ لبنانيّ مستقلّ القرار، قاطعٍ مع مفهوم وحدة الساحات، وقابلٍ للتدرّج.
في الوقت نفسه، تفرض الواقعيّة السياسيّة الاعتراف بأنّ زمن التشابك الإقليميّ والدوليّ، بكلّ ما يحمله من عنفٍ وحروبٍ وتداخل مصالح، قد يُصعّب عمليّة استعادة الحقوق دفعة واحدة، مهما بلغت مشروعيّتها. فالمسار في مثل هذه السياقات هو تراكميّ، تُبنى فيه المكاسب خطوةً خطوة، وتُستعاد فيه المواقع والحقوق شبرًا شبرًا وحفنةً حفنة.
من هذا المنظور، لا يكون التفاوض فعلَ استسلامٍ، بل انتشالًا للبنان بقرار سياديّ متحرّر من هيمنة طويلة، في لحظةٍ تتهاوى فيها البدائل وتضيق فيها مسارات النجاة، وكوسيلة لإعادة التموضع داخل معادلات تتجاوز قدرة أيّ طرفٍ منفرد على التحكّم فيها. ولا يُقرأ بوصفه تنازلًا عن الهدف، بل كجزءٍ من استراتيجيّةٍ تصاعديّة لاستعادة القدرة على التأثير والتغيير.
في هذا السياق، أصبح المطلوب من لبنان اليوم أن يُثبِت نفسه أكثر كدولة تمتلك قرارها وقد فعل، وأن يحوّل هذا القرار إلى مسارٍ قابلٍ للتطوير، لا إلى موقفٍ ظرفيّ أو شعارٍ سياسيّ معلّق. وهذا لا يمكن فصله عن إعادة تنظيم مفهوم الدولة ووظيفتها في الداخل.
ولا يمكن لهذا المسار أن يُكتب له الاستمرار من دون استكمال شرطه الأساسيّ المتمثّل في قيام مرجعيّة دولة فعليّة. فالتفاوض في غياب مركز قرار واضح قد يتحوّل إلى إعادة إنتاج للأزمة بدلًا من تجاوزها. أمّا حين يصدر عن دولة تستعيد تدريجيًّا أدواتها في اتخاذ القرار، فإنّه يصبح جزءًا من مسار إعادة التمركز، لا نهايته.
في هذا الإطار، شهد لبنان، للمرّة الأولى منذ زمن طويل، محاولةً داخليّة للإمساك مجددًا بمفاصل السلطة. وهذا تحوّل نوعيّ. فحين يُطرح بوضوح مبدأ استعادة قرار الحرب والسلم، ويُعاد تأكيد حصريّة السلاح بيد الدولة، واعتبار أيّ قوّة مسلّحة خارج إطار الجيش خارجة عن القانون، وضبط العاصمة أمنيًّا، وفصل المسار اللبنانيّ عن المسارات الأخرى، نكون أمام محاولة جدّية لإعادة تعريف الدولة مرجعيّةً.
صحيح أنّ هذه التحوّلات ما تزال في طور الإرادة أكثر من التنفيذ، وصحيح أنّ قدرتها على الترجمة تصطدم بواقع داخليّ شديد الالتباس والخطورة، لكن الأهم أنّها تشكّل بداية اتجاه جديد. وعليه، يصبح السؤال أكثر دقّة. ففي ظلّ هذا القدر من التعقيدات الداخليّة، هل ينجح لبنان أن يحجز لنفسه مقاربة واعدة في مفاوضات صعبة، تهدف إلى استعادة قدرٍ كبير ممّا خسره بكلفٍ باهظة على مختلف المستويات؟
هذا ما يبدو أنّنا نتّجه إليه. فلبنان فكّ أسره بيديه، ولم يعد يملك لا خيار العودة إلى الماضي ولا ترف الاستمرار كما هو. إنّه يتقدّم في منطقة انتقاليّة، حيث كلّ تأخير يرفع الكلفة، وكلّ خطوةٍ محسوبة تفتح هامشًا في مسارٍ مغلق. والذكاء السياسيّ هنا لا يكون في إنكار العاصفة، بل في إدارة الموقع داخلها بما يمنع الانهيار الكامل ويؤسّس لإمكانيّة الخروج منها.
في هذه المسافة بين سابق الواقع وحاضر الإرادة، وفي اللحظة الفاصلة بين الانكشاف وإعادة التشكّل، يُكتب مستقبل هذا الكيان، ويتحدّد إن كان لبنان سيبقى موضوعًا تُروى عنه الوقائع، أم فاعلًا يعيد صياغة روايته بنفسه داخل التاريخ لا على هامشه… وهو إلى نهوض واكتمال.



