خاص الموقع

من منظورٍ آخَر: كرامة الموقوف وهيبة الدولة.. هل “العفو” هو المهرب أم العدل هو المخرج؟

بقلم: ريبال مرداس

في وقتٍ تعلو فيه أصوات المطالبة بـ “العفو العام” كحلٍّ ترقيعي لأزمة السجون المزدحمة، يغيب عن بال الكثيرين أن بناء الأوطان لا يقوم على “المُسكّنات”، بل على استئصال العِلّة من جذورها. إننا اليوم لا نواجه مجرد اكتظاظٍ خلف القضبان، بل نواجه أزمة “ثقافة” غيّبت مفهوم الدولة لصالح “المزرعة”، واستبدلت ميزان العدل بميزان المحاصصة المذهبية.

​من منظورٍ آخَر، ومن منطلق الإيمان بأن “العدل أساس الملك”، لا بد من مواجهة الحقيقة: إن أي عفوٍ يُبنى على ترضية الزعماء هو طعنة في خاصرة القضاء. إن بناء دولة الـ 10452 كلم² يبدأ من صون كرامة الإنسان، وتحديداً ذاك “الموقوف” الذي نسيته السلطة في غياهب النسيان.

​إننا نطرح اليوم رؤية مدنية، عقلانية، وعملية، تتجاوز “الأنا” المذهبية لتصب في مصلحة “النحن” الوطنية:

​براءة الموقوف أولوية: القاعدة القانونية والأخلاقية ثابتة؛ “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”. لذا، فإن بقاء آلاف الموقوفين لسنوات دون محاكمة هو جريمة يرتكبها النظام بحق مواطنيه. نقترح كحلٍّ طارئ (لمدة عام أو عامين) استئجار مبانٍ عامة أو فنادق وتأهيلها كمراكز توقيف إنسانية تليق بكرامة “المواطن”، ريثما يقول القضاء كلمته الفصل.

​اللامركزية الإدارية والمدنية: اللامركزية ليست تقسيماً، بل هي أرقى درجات التنظيم الوطني. إن إشراك شرطة البلديات في المهام اللوجستية، بمساندة هيبة فوج المغاوير ونخبة “الفهود”، يخلق نظاماً أمنياً محلياً صلباً يحمي الجميع بمسطرة القانون، بعيداً عن التدخلات الطائفية التي لا تُنتج إلا الفوضى.

​فصل المؤسسات عن الانتماءات الضيقة: الدين قيمة روحية عليا نحترمها في الصدور والمعابد، أما الدولة فهي مؤسسة مدنية تدير شؤون الناس بالعلم والتشريع. بناء الدولة يتطلب قضاءً سيداً، مستقلاً، ومُحصناً اقتصادياً، ليكون هو المرجع الوحيد لفض النزاعات وإحقاق الحق.

​لقد سئمنا سياسة “الترقيع” وانتظار “المكرمات”. إن ما نحتاجه هو تربية مدنية تعيد الاعتبار للمؤسسات. قد يقول البعض: “على مَن تقرع الطبول يا موسى؟ فلا حياة لمن تنادي”.. ولكننا لن نكفّ عن النداء، لأن “الحياة وقفة عز”، والوقوف اليوم يعني التمسك بسيادة القانون فوق أي اعتبار مذهبي.

​خلاصنا ليس في “الهروب من السجن” عبر عفوٍ مشبوه، بل في “الانحياز للدولة” عبر عدالة ناجزة. من هنا نبدأ، وبكرامة الإنسان نبني الوطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى