
مع استئناف المحادثات بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية، أمس في واشنطن، دخلت العملية الدبلوماسية مرحلة أكثر تعقيدًا وأكثر كشفًا للحقائق. فما بدأ في نيسان كآلية هشّة لوقف إطلاق النار، تطوّر الآن ليصبح مسارًا تفاوضيًا مزدوجًا: أحدهما عسكري والآخر سياسي، حيث يكشف كل مسار حدود المسار الآخر.
وتتمثل الخلفية المباشرة للمحادثات السياسية التي جرت أمس وتُستكمل اليوم، في الاجتماع العسكري الذي استضافه البنتاغون الأسبوع الماضي. وقد وصف مسؤولون أميركيون تلك الجلسة بأنها كانت بنّاءة، ولكنها مقيّدة، مما يؤكد حقيقة محورية باتت تشكّل ملامح المفاوضات حاليًا: وهي أن التقدم التقني أمر ممكن، غير أن السلطة السياسية تظل مشتتة، لا سيما على الجانب اللبناني.
وهذا التوتر انتقل بشكل مباشر إلى محادثات وزارة الخارجية الأميركية، حيث لا تزال القضايا السياسية الجوهرية، وهي مستقبل “حزب الله”، والانسحاب الإسرائيلي، وتسلسل الخطوات، من دون حل.
من الواضح أن المحادثات صُممت بهدف تفعيل عملي لوقف إطلاق النار عبر تحديد آليات الإنفاذ، والحدّ من الاحتكاك على طول الحدود، واستكشاف خطوات عملية مثل إنشاء “مناطق تجريبية”. غير أن معظم المصادر اعتبرت أن اللقاءات نجحت فقط في جانب واحد ضيق رغم أهميته، وهو “تحسين مستوى التواصل بين اللبنانيين والإسرائيليين على مستوى العسكر والسياسيين”. إذ أشارت مصادر دبلوماسية إلى أن الوفدين الإسرائيلي واللبناني بدآ “بناء قدر من الألفة والثقة المتبادلة”، وهو شرط مسبق ضروري لأي عملية تفاوضية مستدامة.
غير أن محادثات أمس كشفت أيضًا عن مشكلة هيكلية أعمق، وهي أن الوفد اللبناني لم يكن مخوّلا بالكامل اتخاذ قرارات ملزمة، لا سيما في ما يتعلق بالقضايا المتصلة بـ”حزب الله”. وقد حدّ هذا القيد بشكل حاد من سقف الإنجازات التي كان يمكن تحقيقها عبر المسارين السياسي والعسكري في آن. وهذه هي بالتحديد الفجوة التي حاولت المحادثات السياسية أمس ردمها وهذا الأمر بحد ذاته يمثل تحولا من مرحلة “إدارة الأزمات” نحو مرحلة “المفاوضات المنظمة”.
ومع ذلك، يظل جوهر النزاع من دون تغيير. يواصل لبنان الضغط من أجل وقف العمليات الإسرائيلية والانسحاب الإسرائيلي في نهاية المطاف، بينما تصر إسرائيل على أن أي ترتيب دائم يجب أن يتضمن ضمانات لنزع سلاح “حزب الله” ووقف الهجمات عبر الحدود.
وقد أصبحت معضلة “التسلسل الزمني” هذه، أي من يبادر بالخطوة الأولى، العقبة السياسية المركزية التي تعترض المسار.
ويقدّم مفهوم “المنطقة التجريبية”، الذي انبثق عن المسار العسكري، حلا محتملا لهذه المعضلة. وبموجب هذا النهج، يتم خفض التصعيد قطاعًا تلو الآخر: حيث تنسحب إسرائيل من مناطق محددة، وينتشر الجيش لتفكيك البنية التحتية لـ”حزب الله”، وتتولى الولايات المتحدة مهمة التحقق من الامتثال لهذه الخطوات.
وفي حال نجاحها، يمكن لهذه الفكرة أن تتوسع تدريجًا، مما يمهّد الطريق نحو ما يصفه المسؤولون الأميركيون بأنه ترتيب لـ”إنهاء الصراع”،لا يرقى إلى مستوى معاهدة سلام رسمية، ولكنه أكثر من مجرد اتفاق هدنة. غير أن خارطة الطريق هذه تستند إلى افتراضات لا تزال محل خلاف سياسي، ولا سيما ما يتعلق بقدرة الحكومة اللبنانية ورغبتها في التصدي لـ”حزب الله”.
لقد تبنّى وزير الخارجية ماركو روبيو نهجًا صريحًا بشكل غير معتاد في تعريفه للمشكلة. ففي تصريحات أدلى بها مؤخرًا، لم يكتفِ روبيو بوصف “حزب الله” بأنه مجرد وكيل لإيران، بل اعتبره العقبة الرئيسية التي تعترض كلًا من السيادة اللبنانية والسلام الإسرائيلي – اللبناني.
وقد جادل روبيو قائلا: “لا وجود لـ”حزب الله” بمعزل عن إيران”، مستبعدًا بذلك أي اعتبار لهذه الجماعة سوى كونها كيانًا يعتمد في بقائه وديمومته بشكل كلي على دعم خارجي. وبنبرة أكثر حدة، وصف روبيو “حزب الله” بأنه عدو ليس لإسرائيل والولايات المتحدة فحسب، بل للدولة اللبنانية ذاتها أيضًا، مستشهدًا بدعوات الجماعة إلى الإطاحة بالحكومة، وبانتهاكاتها المتكررة لتفاهمات وقف النار.
وينطوي هذا التأطير للمشكلة على تداعيات سياسية واضحة. فمن ناحية أولى، يبرر هذا التأطير التعامل مع المفاوضات باعتبارها عملية تجري أساسًا بين دولتين، إسرائيل ولبنان، مع استبعاد “حزب الله” من دائرة الأطراف المتحاورة المشروعة. ومن ناحية ثانية، فإنه يعزز منطقًا تسلسليًا يتوافق مع المطالب الإسرائيلية، ومفاده أن “حزب الله” يجب أن يُجرَّد من أنيابه العسكرية كشرط أساسي لأي تسوية دائمة.
وفي سياق متوازٍ، أقر روبيو بوجود معضلة في هذه المقاربات، مشيرًا خلال إدلائه بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ إلى أن تعزيز قوة الدولة اللبنانية، لا سيما الجيش، يجب أن يتم بموازاة تفكيك القدرات العسكرية لـ”حزب الله” وهو ما يمثل تحديًا قائمًا منذ أمد بعيد، ولا يبدو أن هناك حلًا سريعًا في الأفق لمعالجته.
غير أن موقف الرئيس ترامب يُضفي طبقة إيجابية على الصورة، بحسب مصادر دبلوماسية. فنهج ترامب أكثر مشروطية، إذ يمارس ضغوطًا من أجل خفض التصعيد، مع الحفاظ على حرية إسرائيل في العمل إذا ما واصل “الحزب” هجماته.
وهذا يخلق رسالة مزدوجة: فمن ناحية، يُصوّر ترامب نفسه على أنه المهندس الرئيسي لوقف النار، ساعيًا بذلك إلى تحقيق نصر دبلوماسي ملموس. ومن ناحية أخرى،يعزز وجهة النظر الأميركية القائلة إن “حزب الله” يظل المحرك الأساسي لعدم الاستقرار، وأنه لا بد من معالجة هذا الملف قبل ترسيخ أي ترتيبات دائمة.
والأهم من ذلك، أن المسؤولين الأميركيين يشيرون إلى أن انخراط ترامب في هذا الملف كان عاملا حاسمًا في إبقاء إسرائيل على طاولة المفاوضات، فبدون ذلك الضغط، ربما لم يكن التحول نحو المفاوضات المباشرة ليتحقق على أرض الواقع.
ما يتشكّل حاليًا من كلا المسارين هو خارطة طريق أولية، تسير وفق منهجية “خطوة بخطوة”، وتتمثل في الآتي:
أولا: الحفاظ على وقف النار الحالي وإنفاذه، بما يمنع حدوث أي تصعيد أثناء سير المفاوضات.
ثانيًا: تنفيذ خطة “مناطق تجريبية”.
ثالثًا: توسيع نطاق هذه المناطق تدريجيًا، بحيث تقترن بجهود تهدف إلى تفكيك البنية التحتية لـ”حزب الله”.
رابعًا: الانتقال نحو إطار عمل يهدف إلى “إنهاء الصراع”، ويشمل ترسيم الحدود والالتزام بمبادئ عدم العدائية.
وأخيرًا: إبقاء الباب مفتوحًا أمام مسار طويل الأمد يفضي إما إلى التطبيع أو إلى إبرام اتفاقية سلام رسمية.
وقد صُممت كل خطوة من هذه الخطوات لإعادة بناء الثقة وتعزيزها، مع تجنب الوقوع في فخ الخلاف حول “تسلسل الخطوات”.



