البيئيةبلدياتثقافة ومجتمعحالة الطقسخاص الموقعمجتمع مدني

​صنوبر لبنان: “الذهب الأخضر” المهدد.. رئة الطبيعة وذاكرة الجبل

​✍️ بقلم وتدقيق الصحافي والباحث التقني والعلمي: ريبال مرداس

​شجرة الصنوبر البري (Pinus pinea) في لبنان ليست مجرد كائن نباتي في المشهد الطبيعي؛ إنها رمز للسيادة الجبلية، وعمود فقري للاقتصاد الريفي، وجزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية والاجتماعية للبلاد. هي “الذهب الأخضر” (بألوانه الأبيض والأسود) الذي ارتبط تاريخياً بقوة الإنسان اللبناني وصبره في ترويض الصخور وتحويلها إلى ثروة مستدامة.

​1. البعد الاقتصادي والاجتماعي: دورة حياة وعمل

​تخلق غابات الصنوبر منظومة اقتصادية متكاملة تشكل مصدر رزق لآلاف العائلات. إن من يضع ماله في الصنوبر هو “ربحان” بامتياز، فالشجرة استثمار طويل الأمد يورث للأبناء. وتتفرع منها سلسلة من المهن التقليدية:

​حلقة الإنتاج: تبدأ من “تشحيل” الأشجار، مروراً بجمع “الروص” (بقايا الأغصان)، ووصولاً إلى “فرد” الكيزان واستخراج الحبوب.

​تنوع الموارد: لا تقتصر الفائدة على الحبوب الثمينة، بل تمتد لبيع “الحطب” و”القرع” (بقايا الكوز)، مما يحقق استغلالاً كاملاً لخيرات الغابة.

​الترابط الاجتماعي: تُعد مواسم القطاف مناسبات للتكافل، حيث تجتمع ورش العمل في القرى، مما يعزز الروابط الأسرية والتعاونية التي تميز الريف اللبناني.

​2. البعد الصحي: رئة الإنسان الطبيعية

​إلى جانب قيمتها الاقتصادية، تمتلك غابات الصنوبر خصائص علاجية فريدة. فهي بمثابة “مصحة طبيعية”؛ حيث تفرز الأشجار مركبات طيارة تساهم في تطهير المجاري الهوائية. وتعتبر هذه الغابات ملجأً حيوياً لمن يعانون من أزمات الربو والجهاز التنفسي، حيث يجدون في نقاء هوائها وغناها بالمغنيزيوم الطبيعي والتربينات علاجاً مريحاً يساهم في توسيع القصبات الهوائية وتخفيف حدة النوبات، وهو دور صحي يغفل عنه الكثيرون.

​3. التحدي الوجودي: أزمة المناخ وفارق “الثلج” عن “المطر”

​رغم هذه الأهمية، يواجه الصنوبر اليوم تهديداً غير مسبوق. لقد لاحظ الخبراء تراجعاً حاداً في “مواسم الحمل”، والسبب الرئيسي هو التغير المناخي الذي أدى إلى غياب الثلوج.

هنا تكمن المعضلة العلمية؛ فالمطر وإن كان غزيراً، لا يعوض أبداً عن الثلج:

​الثلج كخزان: الثلج يذوب ببطء مما يسمح بتغلغل المياه إلى الجذور العميقة، بينما المطر السطحي ينجرف بسرعة.

​الحرب تحت الأرض: غياب “الغطاء الثلجي” ودفء الشتاء ساهما في تكاثر حشرات فتاكة تعيش تحت التربة. هذه الحشرات لا تتأثر بالمبيدات السطحية التقليدية، وهي المسؤولة بشكل مباشر عن القضاء على مواسم الإثمار.

​4. دعوة للتحرك: نحو مؤتمر علمي شامل

​بسبب التهميش الذي يعانيه قطاع الصنوبر مقارنة بغيره من الزراعات، بات من الضروري والملحّ إنشاء “مؤتمر علمي شامل” يضع هذه القضية على طاولة صناع القرار والخبراء. يجب أن يركز المؤتمر على:

​دراسة التغير المناخي: تحليل التراجع في تراكم الثلوج وتأثيره المباشر على الإنتاجية.

​استراتيجيات المكافحة البيولوجية: إيجاد حلول علمية للحشرات التي تستوطن تحت الأرض ولا تنفع معها المبيدات التقليدية.

​الدعم الرسمي: انتزاع اعتراف رسمي بالصنوبر كقطاع استراتيجي يستحق الدعم، والتوعية بضرورة حمايته ليس فقط كمصدر للرزق، بل كإرث ثقافي وصحي.

إن شجرة الصنوبر هي رئة لبنان واقتصاد جباله. إن حمايتها ليست مسؤولية المزارع وحده، بل هي معركة بقاء للهوية اللبنانية. يجب أن نتوقف عن معاملة هذا “الذهب الأخضر” كأمر مسلم به، وأن نبدأ بخطوات علمية وعملية لضمان استمراريته للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى