مقالات صحفية

أنطون الصحناوي،، عندما يصبح الصمت شراكة في إهانة وجع وطن.

رانيا صعب

أنطون الصحناوي،، عندما يصبح الصمت شراكة في إهانة وجع وطن.

هناك من يصنع اسمه بالوطن، وهناك من يقرر أن يضع اسمه في مواجهة وطنه.
أنطون الصحناوي.. مصرفي، رجل أعمال، ورئيس مجلس إدارة بنك “سوسيتيه جنرال”. ألقاب كبيرة، ومناصب مرموقة، ومسؤولية يفترض أن تكون بحجمها. لكن، بالنسبة إلى آلاف اللبنانيين، يبقى اسمه مرتبطًا قبل أي شيء آخر بواحدة من أكثر المراحل سوادًا في تاريخ لبنان الحديث؛ مرحلة انهار فيها القطاع المصرفي، واحتُجزت أموال المودعين، وتبخرت مدخرات العمر، فيما بقي أصحاب النفوذ أقل المتضررين، ودفع المواطن العادي وحده ثمن الجريمة الاقتصادية الأكبر في تاريخ البلاد.

ورغم كل ذلك… صبر اللبنانيون.
لكن ما عاد يُحتمل هو أن يتحول الاستفزاز إلى نهج.

في الأيام الماضية، تصدرت صور الصحناوي من مأدبة عشاء في واشنطن ضمت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، واجهة النقاش اللبناني. ولم يكن ذلك، بالنسبة لكثيرين، مجرد حضور في مناسبة، بل صورة تحمل أبعادًا سياسية وأخلاقية في توقيت لا يزال فيه لبنان يداوي جراحه.

وهذه ليست الواقعة الوحيدة.
ففي نيسان الماضي، ظهر إلى جانب مورغان أورتاغوس في متحف الهولوكوست في واشنطن، حيث كُشف عن اسميهما على جدار المتبرعين، وأشادت أورتاغوس بدعمه لمبادرة فنية أمريكية–إسرائيلية، وقالت إن بعض ما يقوم به قد يكون مخالفًا، من الناحية الفنية، للقانون اللبناني. وفي نهاية حزيران، شارك أيضًا في إطلاق كتاب يدعو إلى إقامة علاقات سلام مع إسرائيل وإعادة النظر في الموقف العربي منها.

كل ذلك ولبنان لا يزال ينزف.
جنوب مدمر…
قرى محيت عن الخارطة…
شهداء لم يجف دمهم…
عائلات لم تعد إلى بيوتها…
وأرض لا تزال أجزاء منها تحت الاحتلال.

فأي رسالة تُرسل إلى اللبنانيين عندما يشاهدون هذه الصور؟
قد يختلف اللبنانيون حول السياسة، وقد يختلفون حول أسباب الحروب، وحول سلاح هذا الفريق أو ذاك، وحول خيارات الدولة ومستقبل المنطقة. لكن ما لا ينبغي أن يكون موضع خلاف هو احترام وجع الناس، واحترام ذاكرة وطن لم يخرج بعد من ركامه.

أما قانونًا، فالمسألة ليست مجرد نقاش سياسي.
فقانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955 لا يزال نافذًا، ويحظر أي تعامل مع إسرائيل أو مع جهات تعمل لمصلحتها، كما أن لبنان وإسرائيل لا يزالان، من الناحية القانونية، في حالة حرب. ولهذا السبب، تقدم عدد من المحامين بإخبار أمام النيابة العامة طالبوا فيه بفتح تحقيق في هذه الوقائع، ويبقى للقضاء وحده أن يحدد ما إذا كانت تشكل مخالفة للقانون.

أما سياسيًا وأخلاقيًا، فلكل لبناني الحق في أن يسأل:
هل كان هذا هو التوقيت المناسب؟
وهل كان هذا هو الموقف الذي ينتظره شعب لا يزال يدفن أبناءه ويعيد بناء بيوته حجرًا فوق حجر؟

أنطون الصحناوي…
لا أحد يطلب منك أن تحمل السلاح، ولا أن تخوض حربًا، ولا أن تتبنى خطابًا سياسيًا معينًا.
لكن أقل ما ينتظره اللبناني من شخصية عامة تحمل اسمه وجنسيته ونفوذها، هو ألا تكون جزءًا من مشهد يستفز ذاكرة شعبه، فيما جراحه ما زالت مفتوحة.
هل رأيت الجنوب وهو يحترق؟
هل رأيت الأطفال تحت الأنقاض؟
هل رأيت الأمهات يودعن أبناءهن؟
هل رأيت قرى بكاملها تتحول إلى ركام؟

أمام كل ذلك، لم يكن اللبنانيون بحاجة إلى صورة جديدة تزيد انقسامهم، ولا إلى مشهد يشعرهم بأن وجعهم أصبح تفصيلًا يمكن تجاوزه.
قد يختلف الناس في تقييم ما قمت به، وقد يبقى للقضاء كلمته فيما إذا كان قد حصلت مخالفة للقانون، لكن شيئًا واحدًا لا يحتاج إلى حكم قضائي:
أن الانتماء إلى الوطن لا يُقاس فقط بما نحمله من جنسية، بل أيضًا بالاحترام الذي نظهره لذاكرته، لسيادته، ولتضحيات شعبه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى