
بينما يبرمج العالم مستقبله ويطوّع الذكاء الاصطناعي لإدارة المنصات الكبرى والاقتصادات الرقمية، يُجبرنا ملوك الطوائف في لبنان على الغوص في وحل نقاشات سريالية حول “تشريج الأيام” وتحويل الرصيد. يا لها من مفارقة مبكية؛ أن يُدار الشريان الحيوي الوحيد المتبقي للتواصل والإنتاج بعقلية “دكانة” تبيع الوهم مسبق
الدفع، وتشرّع أبوابها لسماسرة السوق السوداء. الإنترنت اليوم ليس ترفاً، بل هو أكسجين العمل، وأداة البقاء الأولى لكل صانع محتوى، ومخرج وثائقي، ومهندس يسعى لإبقاء هذا البلد على خريطة التطور، بدلاً من تركه يختنق في غياهب العزلة.
مغارة التنفيعات وبقرة الطوائف الحلوب
الانهيار المبرمج في قطاع الاتصالات ليس مجرد فشل إداري، بل هو هندسة دقيقة لحماية مصادر التمويل الوهمية لعروشهم. لقد حوّلوا القطاع الذي كان يوماً فخر الشرق الأوسط والأكثر إدراراً للأرباح، إلى بقرة حلوب تتوزع من خلالها الحصص. حين يتباكون اليوم عبر الشاشات على حماية إيرادات الدولة من “الموزعين غير القانونيين”، فهم يمارسون انفصاماً علنياً يستخف بعقولنا؛ فهؤلاء الموزعون ليسوا سوى واجهات لمنظومتهم نفسها. هم لا يخافون من انهيار الشبكة، بل يرعبهم أن يفقدوا السيطرة على العائدات التي تغذي شبكات زبائنيتهم، وتمنع أي منصة رقمية أو مبادرة إعلامية مستقلة من النمو بحرية وكشف زيفهم.
رعب الكفاءات وكابوس الخصخصة
ما يزلزل كراسي هؤلاء الملوك حقاً ليس التصريحات الرنانة، بل آلاف العقول الشابة في قطاعات هندسة الاتصالات، وعلوم الكمبيوتر، وتكنولوجيا المعلومات. هؤلاء الخريجون يمثلون التهديد الأكبر، لأن لغتهم هي الكفاءة والابتكار، وهي لغة لا يفهمها من اعتاد حكم الناس بالطاعة العمياء. من هنا، تصبح الخصخصة التشغيلية الشفافة رصاصة الرحمة على فسادهم. عندما تتولى شركات خاصة إدارة البنية التحتية بمنطق التنافسية والجودة، وتحتفظ الدولة بنسبة وازنة من الأرباح السيادية، تسقط الواسطة الطائفية وترتفع سلطة العقل. هذا النموذج ينهي احتكارهم، ويضع الرجل المناسب في المكان المناسب.
الخروج من النفق الرقمي
الرهان اليوم لم يعد على وعود رسمية أثبتت إفلاسها منذ كذبة الـ 1500 ليرة التي أشعلت ثورة 2019، بل على المبادرات الفردية والمشاريع الخاصة التي ترفض رفع الراية البيضاء. تحرير قطاع الاتصالات من قبضة الإقطاع السياسي هو المدخل الإلزامي لإنقاذ الاقتصاد المعرفي، ونفض غبار التخلف، وإجبار الفاشلين على النزول عن عروشهم الوهمية، ليعود لبنان منصة تقنية حرة لا تتحكم بها بطاقة تعبئة.






