

خاص الموقع | تقرير وتحليل إخباري
تفتح المشاهد الميدانية الأخيرة للجولات التفتيشية المكثفة التي نفذتها مديرية حماية المستهلك وسلامة الغذاء في محافظة دمشق—وتحديداً داخل سوق «باب سريجة» الشعبي كامتداد لحملات واسعة على الأراضي السورية كافة—باباً واسعاً للنقاش حول مفهوم «هيبة الدولة» واستعادة أصول العمل الرقابي. فالرسالة الميدانية لم تقف عند حدود فحص اللحوم والبرادات والتدقيق بالأختام الرسمية وقوائم الأسعار وتنظيم الضبوط، بل جسّدت توجهاً يهدف إلى نفض الصبغة القديمة القائمة على المحسوبيات والواسطات والرشوة، لمصلحة فرض سيادة القانون وحماية صحة المواطن وقوته اليومي كأولوية مطلقة.
(لمشاهدة التقرير الميداني كاملاً عبر الفيديو المرفق أدناه):
المرآة اللبنانية: جهود استثنائية وعجز بنيوي في الكوادر
وعند إسقاط هذا المشهد الرقابي الصارم على الداخل اللبناني، يبرز التباين بين الإرادة والإمكانيات؛ إذ يُسجَّل لوزارة الاقتصاد والتجارة ومديرها العام الدكتور محمد أبو حيدر خوض معركة مستمرة ومشهودة لضبط الأسواق، والتصدي للتلاعب وجشع الاحتكار، إلى جانب السعي الدائم نحو مكننة الإجراءات وتحديث آليات التتبع والشكاوى.
إلا أن الإنصاف يقتضي الإشارة إلى العائق الهيكلي الحاسم: كيف يُمكن لجهاز رقابي يضم بضع عشرات من المفتشين فقط، أن يغطي آلاف المحال والمؤسسات التجارية المنتشرة على امتداد عشرة آلاف وأربعمائة واثنين وخمسين كيلومتراً مربعاً؟
إن النقص العددي الحاد في الكادر البشري، الناجم عن الأزمة الاقتصادية وتوقف التوظيف وتقاعد الموظفين، يضع حتى أنشط المبادرات الإدارية أمام حائط مسدود، ويترك العديد من الأقضية والمناطق عرضة للفراغ الرقابي وغياب الرادع الفعلي.
ترجمة المشروع ميدانياً: استثمار طاقات الشباب عبر «خدمة العلم»
هنا تحديداً تكمن أهمية الانتقال من الشكوى من قلة الموارد إلى ابتكار حلول وطنية شاملة؛ فالترجمة الميدانية الحقيقية تتلاقى مباشرة مع الرؤية التنموية الشاملة التي كنا قد فصّلناها سابقاً:
🔗 لقراءة الرؤية والتحقيق كاملاً حول مشروع خدمة العلم:
هل حان الوقت لإعادة «خدمة العلم» برؤية تنموية ورقمية تُنقذ الشباب والدولة؟
إن جوهر تلك الرؤية، وتحديداً في مرحلتها الثالثة المعنية بالإدارة والدعم الميداني والتحول الرقمي، يقدّم الآلية العملية القابلة للتطبيق الفوري لسد هذه الثغرة الوطنية:
إسناد وزارة الاقتصاد وتسريع الجولات الرقابية:
بدلاً من بقاء خدمة العلم قالباً عسكرياً كلاسيكياً يرهق الخزينة، يتم توجيه طاقات المجندين والجامعيين (من أصحاب الاختصاصات الإدارية، والقانونية، والغذائية، والتقنية) ليكونوا قوة إسناد بشرية ميدانية لفرق التفتيش. هذا الإسناد يمكّن وزارة الاقتصاد من تسيير دوريات متزامنة ويومية في كافة المحافظات والبلدات اللبنانية دون تكبيد الدولة أعباء رواتب توظيف دائم.
التطبيق الحقيقي للتربية الوطنية والتنشئة المدنية:
التربية الوطنية ليست مقررات نظرية على الورق، بل هي ممارسة وانتماء يُصنعان في الميدان. إن مشاركة الشاب في حماية لقمة عيش أهله ومجتمعه، والتصدي للغش والاحتكار، يزرع في تكوينه رفض الرشوة ومحاربة الفساد والانضباط تحت راية القانون، بدلاً من تركه فريسة للفراغ أو الاصطفافات الضيقة.
إسقاط شبكات الواسطة والمحميات:
حين تُشكَّل اللجان والدوريات بمؤازرة عناصر شبابية تؤدي واجباً وطنياً نظامياً شاملاً، تسقط تلقائياً ضغوط المحسوبيات والواسطات السياسية والمناطقية؛ فالمجند لا يخضع لحسابات نفوذ محلية، بل ينفّذ معياراً عاماً يُلزم الجميع بسقف القانون.
خاتمة
إن استعادة هيبة الدولة وأصولها—سواء مما نشهده في صرامة الرقابة بأسواق سوريا أو في محاولات التطوير الجادة في لبنان—تحتاج إلى الجرأة في ربط الحاجات الإدارية بطاقات الجيل الصاعد. وترجمة مشروع «خدمة العلم المطوّرة» ميدانياً تشكل المدخل الحقيقي لبناء إدارة قادرة، شفافة، وحاضرة في كل سوق لحماية أمن المواطن وصون كرامته المعيشية.



