منوعات

ودّعوا الأم… على قدر محبة الابن

هناك وداعٌ لا تكفيه الدموع، لأن الراحل لا يأخذ معه سنواتٍ من العمر فقط، بل يأخذ قطعةً من القلب لا تعود.
هكذا كان وداع روجينا الأشقر، والدة رئيس بلدية ضبيه–ذوق الخراب–حارة البلانة–عوكر، المهندس نبيه طعمه.
ثلاثة أيام لم تهدأ فيها قاعة وصالة كنيسة الصعود. غصّ المكان بالناس، بالمحبين، بالوجوه الآتية من مختلف المناطق اللبنانية… وكأن الجميع حضر ليحمل عن ابنها شيئاً من وجعٍ لا يُحمل.
لم تكن الجموع هناك لتؤدي واجباً.
كانت هناك لتردّ وفاءً بوفاء.
فالرجل الذي اعتاد أن يقف إلى جانب الناس عندما تضيق بهم الأيام، وجدهم جميعاً إلى جانبه عندما ضاقت به الدنيا برحيل أمّه. من واساهم في أحزانهم، أتوا يواسونه في حزنه، ومن فتح قلبه وبيته للناس، فتحت له الناس قلوبها يوم انكسر قلبه.
فالمعدن الأصيل يظهر في الشدائد… والوفاء لا يحتاج إلى دعوة.
في تلك الأيام الثلاثة، كان المشهد أكبر من عزاء. كان رسالة صامتة إلى نبيه طعمه تقول: لم ننسَ وقفاتك… ولم ننسَ أنك كنت هنا عندما احتجناك، ولذلك نحن هنا عندما احتجتنا.
أما هي، روجينا الأشقر، فكانت حاضرة في كل هذا الحب رغم غيابها. فالأم التي أعطت عائلتها الصغيرة عمرها وتعبها وقلبها، تركت خلفها ابناً جعل من بلداته وأهلها عائلةً كبيرة.
وكأن كل يدٍ امتدت لتعزّيه، وكل عينٍ دمعت معه، وكل شخصٍ دخل الكنيسة، كان يهمس لها:
شكراً روجينا…
شكراً لأنك ربّيتِ هذه العائلة.
شكراً لأنك زرعتِ فيها هذا الوفاء.
شكراً لأنك أنجبتِ نبيه.
ربما لم تستطع الكلمات أن تخفف وجع ابنٍ فقد أمّه، فلا منصب أمام رحيل الأم، ولا قوة أمام كرسيّها الفارغ، ولا شيء يعوّض صوتاً كان يقول له يوماً: يا ابني.
لكن الناس أوفوه حقه…
فحملوه بالمحبة عندما أثقله الحزن، وأخبروه بحضورهم أن من عاش للناس، لن يتركه الناس وحيداً ساعة الوجع.
نامي بسلام يا روجينا…
لقد تركتِ خلفك ما هو أبقى من العمر: عائلة تحبك، وابناً أحبه الناس، وذكراً لن يموت.
ولأن من يسكن القلب لا يرحل حقاً،
لن نقول وداعاً… بل إلى اللقاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى