
المستشفى الذي كان يفترض أن يكون المكان الذي نذهب إليه عندما نعجز عن مواجهة المرض وحدنا، أصبح بالنسبة إلى كثير من الناس مصدرًا آخر للخوف.
لا نخاف المرض فقط…
نخاف أيضًا مما قد يحدث لنا داخل المستشفى.
ندخل بمشكلة صحية بسيطة، ثم تبدأ الفحوصات، الأدوية، الإجراءات، الاستشارات، وتتسع الدائرة… وفي بعض الحالات لا تخرج العائلة بالمريض الذي دخل بها، بل تخرج به جثة.
وهنا لا يجوز أن نكتفي بعبارة:
«هذا قضاء وقدر».
نعم، الموت حقيقة، وهناك أمراض ومضاعفات لا يمكن للطبيب منعها.
لكن هناك أيضًا شيء اسمه خطأ طبي، عدوى مكتسبة داخل المستشفى، دواء غير مناسب، جرعة خاطئة، تشخيص متأخر، إهمال، سوء متابعة، أو قرار علاجي لم يكن في مكانه.
وهذه الأمور لا يجوز أن تختبئ دائمًا خلف كلمة «مضاعفات».
السؤال ليس: هل كل طبيب سيئ؟
طبعًا لا.
السؤال الأخطر هو:
هل توجد رقابة كافية تضمن أن المريض يحصل فعلًا على أفضل رعاية ممكنة؟
وهل يعرف المريض لماذا أُعطي هذا الدواء تحديدًا؟
هل يعرف الطبيب مصدر الدواء وسلامته؟
هل يتم التأكد من الجرعة والتداخلات الدوائية؟
هل تتم مراقبة المريض كما يجب بعد إعطائه الدواء؟
وهل عندما تحدث مشكلة، يجري التحقيق فعلًا لمعرفة السبب، أم تُغلق القصة بكلمة «حصلت مضاعفات»؟
لأن المريض عندما يدخل المستشفى، يدخل وهو في أضعف حالاته.
لا يملك المعرفة الطبية.
لا يعرف أسماء الأدوية.
لا يستطيع أن يراقب الطبيب أو الممرض.
وغالبًا لا يستطيع حتى أن يعرف إن كان الإجراء الذي يخضع له ضروريًا أم لا.
هو يثق.
وهذه الثقة مسؤولية وليست فرصة تجارية.
لا يجوز أن يصبح المريض مجرد رقم في ملف.
ولا أن تتحول كل شكوى صحية إلى سلسلة لا تنتهي من الفحوصات والإجراءات.
ولا أن يصبح خوف العائلة على حياة أحد أفرادها بابًا مفتوحًا أمام الفاتورة.
والأكثر قسوة هو أن بعض العائلات تعيش اليوم سؤالًا مرعبًا:
«إذا دخلنا المستشفى… هل سنخرج منه؟»
هذه الجملة وحدها تكشف حجم أزمة الثقة.
وعندما يصل الناس إلى مرحلة يخافون فيها من المستشفى بقدر خوفهم من المرض، فالمشكلة لم تعد طبية فقط.
إنها مشكلة ثقة وأخلاق ورقابة.
نحن لا نريد مستشفيات مثالية.
نعرف أن الطب ليس معصومًا من الخطأ، وأن الأدوية لها مخاطر، وأن بعض المرضى يموتون رغم كل محاولات إنقاذهم.
لكننا نريد شيئًا بسيطًا جدًا:
أن نعرف أن الإنسان عندما يدخل المستشفى، لا أحد ينظر إليه كفرصة للربح قبل أن ينظر إليه كإنسان.
وأن يكون السؤال الأول:
«كيف ننقذه؟»
لا:
«ماذا يمكن أن نفعل له؟»
فالفرق بين السؤالين قد يكون أحيانًا الفرق بين مريض يعود إلى بيته… وعائلة تعود إلى بيتها وحدها.
أما في ملف السرطان تحديدًا، فالقضية تصبح أكثر حساسية.
مريض السرطان مستعد لأن يدفع كل ما يملك مقابل فرصة.
وهنا يجب أن تكون الأخلاق الطبية في أعلى مستوياتها، لأن الإنسان الذي يواجه الموت يمكن أن يتمسك بأي وعد، بأي علاج، بأي أمل.
ومن هنا، يجب أن تكون الشفافية مطلقة:
ما فائدة العلاج؟
ما نسبة نجاحه؟
ما مخاطره؟
ما البدائل؟
كم سيكلف؟
وهل هو ضروري فعلًا؟
هذه ليست أسئلة وقحة.
هذه حقوق المريض.
والطبيب الذي ينزعج من سؤال المريض عن علاجه، أو المستشفى الذي يعتبر السؤال تشكيكًا به، يجب أن يتذكر أن الثقة لا تعني الصمت.
الثقة تُبنى بالشفافية.
والطب ليس مجرد علم.
إنه أمانة.
وعندما يغيب الجانب الإنساني عن المستشفى، يصبح المكان الذي يفترض أن نحتمي فيه مكانًا نخشى أن ندخله.
لذلك، لا نحتاج اليوم إلى مستشفيات أكثر فخامة فقط.
نحتاج إلى مستشفيات أكثر إنسانية.
إلى أطباء أكثر شفافية.
إلى رقابة أقوى.
وإلى مريض يعرف حقوقه ولا يخاف من السؤال.
لأن الإنسان عندما يسلّم حياته لطبيب، فهو لا يسلّمه جسده فقط…
بل يسلّمه أغلى ما يملك: ثقته.



