
لم يعد لبنان اليوم “ساحة لتصفية الحسابات” فحسب، بل تحول إلى محرقة استنزاف طالت كل بيت وطائفة. بينما تنشغل الشاشات برصد الغارات الإسرائيلية والردود الصاروخية لـ “الحزب الأصفر” ضمن الصراع الإقليمي الكبير (إيران-إسرائيل)، تجري تحت الرماد حرب أخرى أكثر صمتاً وفتكاً: حرب التفكك الداخلي واليأس الوطني.
1. فاتورة الحرب: الكل خاسر ولا استثناء
يتحدث الإعلام عن انتصارات وخسائر عسكرية، لكن لغة الأرقام على الأرض تقول إن “لبنان الكيان” هو الضحية الوحيدة:
التكلفة البشرية والاجتماعية: مع تجاوز عدد النازحين عتبة المليون و200 ألف، لم يعد النزوح مجرد قضية إنسانية، بل تحول إلى فتيل توتر أهلي بين المناطق “المستقبلة” و”النازحة” بسبب اختلاف الأيديولوجيات وضيق الموارد.
الانتحار الاقتصادي: خسائر لبنان المباشرة وغير المباشرة تجاوزت الـ 25 مليار دولار منذ عام 2024. القطاع الزراعي في الجنوب والبقاع انتهى، والصناعة مشلولة، والطبقة الوسطى التي كانت “صمام أمان” المجتمع تبخرت تماماً.
كذبة “الحرب النظيفة”: الادعاء بأن الحرب مع إسرائيل هي “ثمن التحرير” فقط، أو أن الاقتتال الداخلي “أقل كلفة”، هي مغالطات قاتلة؛ فكلاهما يصب في نتيجة واحدة: إفراغ لبنان من طاقاته وشبابه.
2. خطر “الشرق الأوسط الجديد” على الهوية
لبنان القديم (لبنان الـ 10452 كلم²) يلفظ أنفاسه الأخيرة. المشروع الإقليمي يريد تحويله إلى “قاعدة متقدمة”، والمشاريع الدولية تراه “عبئاً جغرافياً” يجب إعادة ترتيبه. الخطر ليس في تغيير الحدود، بل في تغيير “العقد الاجتماعي”؛ حيث أصبح اللبناني اليوم يخاف من شريكه في الوطن أكثر مما يخاف من طائرات العدو، وهذا هو النجاح الحقيقي لمشروع “الشرق الأوسط الجديد”: تفتيت الدول من الداخل.
الخاتمة: المخرج الوحيد (حلاً يحاكي الجميع)
إن الحل الذي ينقذ الجميع—سواء من يملك السلاح أو من يخاف منه—لا يمر عبر الرهانات الخارجية، بل عبر “مشروع الاستعادة الوطنية” الذي يقوم على الركائز التالية:
حياد الدولة لا تحييدها: لا يمكن للبنان أن يعيش كطرف في محاور إقليمية تتجاوز قدرته على الاحتمال. الحل هو في “حياد إيجابي” يحمي لبنان من الانخراط في حروب الآخرين، مع الحفاظ على حقه في الدفاع عن أرضه عبر جيش وطني موحد يمتلك حصرية السلاح والقرار.
المواطنة العابرة للأيديولوجيا: الاعتراف بأن الأيديولوجيات المرتبطة بالخارج (شرقاً أو غرباً) قد أوردت لبنان المهالك. الحل هو في عقد اجتماعي جديد يضمن حقوق الطوائف “ثقافياً ودينياً” لكنه يفصلها عن “القرار السياسي والأمني”.
إعادة تعريف السيادة: السيادة ليست مجرد حدود، بل هي كرامة المواطن في تأمين خبزه ودائه. أي حل لا يبدأ بإعادة هيكلة الدولة والمحاسبة الاقتصادية هو “حقنة مخدر” لمريض يحتضر.
الخلاصة: إن استمرار الرهان على “الخارج” أو على “فائض القوة” الداخلي هو تذكرة سفر نحو الزوال. لبنان اليوم يحتاج إلى “ثورة وعي” تدرك أن العدو الحقيقي هو الانقسام، وأن كلفة السلام الداخلي، مهما بلغت، تظل أرخص بآلاف المرات من كلفة “الانتصارات” فوق الركام.


