ثقافة ومجتمعخاص الموقععلوم وتكنولوجيامستقبل الطاقة في لبنان

بيتي أنا بيتك.. في جبال الشمس.. ورغيفنا سيادي بالضوّ والشلّال 🌾💧

السيادة الغذائية في سلة الخبز: الهيدروجين الأخضر يحرر أرضنا من كارتيلات المازوت والأسمدة

​بقلم: ريبال مرداس — من زاوية مختلفة

​بعيداً عن صخب التجاذبات اليومية وحلول الترقيع التي ملّها اللبنانيون، تقف “المادة الرمادية” اللبنانية اليوم على أعتاب ثورة حقيقية تتجاوز مجرد تأمين إنارة منزلية أو تشغيل مكيف في ليل الصيف. إنها معركة استعادة القرار الوطني من بوابته الأكثر خطورة: الأمن الغذائي والسيادة الزراعية.

​حين غنّت فيروز “بيتي أنا بيتك”، لم تكن ترسم مجرد لوحة شعرية، بل كانت تؤصل لانتماء الأرض التي تحصن أهلها بمواردها. واليوم، نترجم هذا الانتماء إلى لغة الأرقام والمخططات الهندسية، لنطرح رؤية “اللامركزية الطاقية والإنتاجية” عبر الهيدروجين الأخضر كطوق نجاة وحيد لسهولنا وجبالنا الممتدة من عكار والبقاع إلى الجنوب والشوف.

​1. المعادلة المفقودة: كيف يتحول فائض الضوء إلى كيس سماد؟

​يرتبط مصطلح الهيدروجين الأخضر في أذهان الكثيرين بإنتاج الكهرباء الصامتة عبر خلايا الوقود (Fuel Cells)، ولكن الزاوية غير الملتفت إليها هي المخرج الثاني والحيوي للمحللات الكهربائية (PEM Electrolyzers).

​عند فصل جزيء الماء (H_2O) باستخدام فائض الطاقة الشمسية نهاراً، نحصل على هيدروجين نقي وأكسجين طبي. من خلال دمج هذا الهيدروجين الأخضر مع النيتروجين المستخلص مجاناً من الهواء عبر وحدات نمطية متطورة (Modular Ammonia Units)، نصل إلى إنتاج “الأمونيا الخضراء” (NH_3).

​هذه المادة هي الحجر الأساس في صناعة الأسمدة النيتروجينية. بدلاً من أن يظل المزارع اللبناني رهيناً لتقلبات أسعار الصرف وكارتيلات استيراد الأسمدة الكيماوية بالدولار الفريش، تتيح هذه التقنية إنتاج غداء الأرض من شمسها ومائها، وبتكلفة تشغيلية تكاد تكون معدومة بعد استرداد كلفة التأسيس.

​2. الجرار الهيدروجيني ومضخات الريّ: تصفير فاتورة الديزل

​تعد كلفة المحروقات (المازوت) العائق الأكبر الذي يهدد استمرارية القطاع الزراعي في لبنان، سواء لتشغيل مضخات سحب المياه الجوفية أو لتحريك الآليات الثقيلة.

​المخطط الذي نطرحه يعتمد على إنشاء محطات محلية مصغرة داخل التعاونيات الزراعية؛ يتم فيها ضغط الهيدروجين وتخزينه في أسطوانات آمنة من الستانلس ستيل (316). هذا الغاز المخزن يمنح المزارع بديلين:

​تشغيل مضخات الري ليلاً ونهاراً بقدرة 220 فولت مستقرة وبصفر ضجيج.

​تغذية الجرارات والمعدات الزراعية المعدلة للعمل بخلايا الوقود، مما يعني تصفير فاتورة المحروقات نهائياً وتحرير رغيف الخبز من تبعية النفط المستورد.

​3. خارطة الطريق نحو “الممر المشرقي للهيدروجين الزراعي”

​تحقيق هذه السيادة لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى منهجية علمية صارمة تنفذ على أربع مراحل:

​المرحلة الأولى (المسح والمطابقة): تحديد السهول والجبال ذات السطوع الشمسي الأعلى وتوافر مصادر المياه النظيفة أو المكررة علمياً لحماية وحدات التحليل.

​المرحلة الثانية (التأسيس اللامركزي): نشر الحاويات النمطية (Containerized Units) القابلة للنقل والنقل السريع بجانب الجمعيات التعاونية والمناطق الزراعية الكبرى لضمان العدالة في التوزيع.

​المرحلة الثالثة (الدورة المغلقة): ربط شبكات الري بالطاقة المستدامة، وتوزيع الأسمدة الخضراء محلياً بأسعار مدعومة تديرها البلديات.

​المرحلة الرابعة (صندوق الاستثمار الأهلي): تحويل الأموال التي كانت تهدر على المازوت المستورد وصيانة المولدات إلى صندوق استثماري محلي لتمويل توسعة المشروع وصيانة معداته بأيدي شباب المنطقة بعد تدريبهم تقنياً.

​4. السيادة تبدأ من حبة التراب

​عندما تمتلك القرية اللبنانية طاقتها وتصنع سمادها، فإنها تعيد صياغة مفهوم الاقتصاد المقاوم الحقيقي. الهيدروجين الأخضر ليس ترفاً علمياً، بل هو الأداة التقنية التي تجعل من كل مزارع ومن كل حقل وحدة إنتاجية مستقلة تسهم في بناء “لبنان الاكتفاء الذاتي”.

​إن المدرسة والجامعة اليوم في لبنان مطالبة بأن تخرج من قوالب التلقين؛ نريد لطلابنا أن يروا ميدانياً كيف تتحول قطرة الماء وضوء الشمس إلى قمح يملأ السنابل وأكسجين طبي يحيي المستوصفات. نحن نزرع المادة الرمادية لكي نحصد وطناً سيداً، حراً، ومستقلاً طاقياً وغذائياً.

​لو أتيحت لك الفرصة لدعم هذا المشروع في منطقة لبنانية واحدة لتبدأ منها هذه الثورة الخضراء.. أي سهل أو جبل تختار؟ ولماذا؟

​✍️ ريبال مرداس — مدير منصة ليبانون نيوز أونلاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى