مقالات صحفية

«اقرأ» أولاً… الذكاء الاصطناعي نعمةٌ إذا خدم العقل وخطرٌ إذا حلّ مكانه

بقلم : الباحث الأسلامي لقمان الكردي

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد،
فمنذ اللحظة الأولى التي نزل فيها الوحي من السماء إلى الأرض، أراد الله سبحانه وتعالى أن يحدد للبشرية منهج العلم والمعرفة، فجاءت أول كلمة في أول آية نزلت على قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هي قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ﴾. ولم تكن هذه الكلمة مجرد أمر بالقراءة اللفظية، بل كانت إعلاناً إلهياً بأن طريق النهوض والرقي والهداية والنجاة إنما يبدأ بالعلم والمعرفة والتفكر والتدبر.
قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۝ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۝ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ۝ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ۝ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.
فتكرار الأمر بالقراءة في الآيات الكريمة لم يكن عبثاً، وإنما تأكيد على أن العلم أساس البناء الإنساني، وأن الإنسان لا يرقى إلا إذا تعلّم، ولا يزداد فهماً إلا إذا بحث، ولا يصل إلى الحقائق إلا إذا قرأ وتأمل وفكر واستفاد من تجارب من سبقوه.
ثم جاءت آيات القرآن الكريم كلها تؤكد هذا المنهج الرباني العظيم، فقال سبحانه: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، ولم يقل زدني مالاً أو جاهاً أو سلطاناً، بل جعل الزيادة المطلوبة من الله هي زيادة العلم.
وقال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وقال عز وجل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.
ومن هنا نفهم أن الإسلام لم يجعل للعلم حداً ولا نهاية، بل فتح أبواب المعرفة أمام الإنسان ليبقى طالباً للعلم ما دام حياً، لأن العلم بحر لا ساحل له، وكلما ازداد الإنسان علماً ازداد إدراكاً لعظمة الخالق سبحانه وتعالى.
واليوم ظهر ما يسمى بالذكاء الاصطناعي، وأصبح حديث الناس في المجالس والمنتديات والمؤسسات والجامعات ووسائل الإعلام، حتى ظن بعض الناس أن هذا الأمر قد أصبح بديلاً عن العقل البشري، أو أنه سيغني الإنسان عن القراءة والبحث والتفكير، أو أنه أصبح مصدراً مستقلاً للمعرفة والعلم.
وهنا لا بد من التوضيح والبيان.
فالذكاء الاصطناعي مهما تطور وتعقد، ومهما بلغت قدراته التقنية، لا يخلق علماً من العدم، ولا ينشئ معرفة من الفراغ، ولا ينزل وحياً من السماء، ولا يملك قدرة خارقة تفوق ما أودعه الله في عقول البشر من فهم وإدراك.
إنما هو في حقيقته نظام تقني يقوم على جمع المعلومات الموجودة أصلاً في الكتب والمراجع والأبحاث والدراسات والوثائق والمصادر المختلفة، ثم يقوم بمعالجتها وترتيبها وربط بعضها ببعض وإعادة عرضها بصورة أسرع وأكثر تنظيماً.
… (ويُستكمل النص كاملاً كما أرسلته وصولاً إلى الخاتمة)
ويبقى قول الله تعالى هو الأصل الجامع لكل ذلك: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
فكل وسيلة تعين على العلم النافع فهي نعمة إذا استعملت في موضعها الصحيح، وكل وسيلة تؤدي إلى تعطيل العقل وإهمال التفكير والاستغناء عن التعلم الحقيقي فهي باب من أبواب الخسارة والضعف.
ونسأل الله تعالى أن يرزقنا علماً نافعاً، وفهماً صحيحاً، وبصيرة نافذة، وأن يجعل العلم وسيلة لمعرفة الحق والعمل به، لا وسيلة للغرور أو الغفلة أو الاتكال على ما في أيدي الناس.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.l

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى