
لم تعد تربية الأطفال اليوم مهمة سهلة، ولم تعد الأم قادرة على الاعتماد على الوصفات القديمة التي كانت تختصر التربية بجملة: «نحن تربّينا هكذا وكبرنا». فالعالم تغيّر، والطفل تغيّر، وكذلك التحديات التي تواجه الأسرة.
ومع ذلك، ما زال المجتمع يضع الأم أمام قائمة طويلة من التوقعات المتناقضة؛ عليها أن تكون حازمة من دون أن تصرخ، حنونة من دون أن تدلل، قريبة من طفلها من دون أن تفسده، وأن تتابع دراسته وسلوكه واحتياجاته، وتحافظ على منزلها، وتعمل إن كانت موظفة، وتبقى هادئة ومتزنة مهما بلغ بها التعب.
وكأن المطلوب منها أن تكون أمًا خارقة لا تتعب ولا تغضب ولا تخطئ.
في التربية القديمة، كانت الطاعة في كثير من الأحيان المعيار الأساسي للطفل «المؤدب». كان المطلوب أن يسمع وينفذ، وأن تكون أسئلته محدودة، وأن يخشى العقاب كي لا يكرر الخطأ. أما اليوم، فقد أصبحنا أكثر إدراكًا لحقيقة أن الطفل ليس مجرد متلقٍّ للأوامر، بل شخصية في طور التكوين، لديها مشاعر ومخاوف وأسئلة وحاجات تستحق أن تُفهم.
أصبحنا نتحدث عن الحوار والاحتواء، وعن تعليم الطفل كيف يعبّر عن غضبه وخوفه وحزنه، بدلًا من دفعه إلى إخفائها.
لكن التربية الحديثة لا تعني إلغاء الحزم، كما أن التربية القديمة ليست كلها خاطئة. التحدي الحقيقي هو أن نأخذ من الماضي ما هو صالح، ومن المفاهيم الحديثة ما يساعد الطفل على النمو، وأن نعرف أين نضع الحدود من دون أن نحول البيت إلى ساحة صراع.
وهنا تظهر المشكلة الأوسع: هل أصبحت التربية مسؤولية الأم وحدها؟
في كثير من الأسر، نعم.
الأم العاملة تنهي دوامها خارج المنزل لتبدأ دوامًا آخر داخله. تتابع أطفالها، تهتم بدراستهم، تدير شؤون المنزل، وتحاول أن تجد وقتًا لنفسها، وغالبًا ما تشعر بأنها مطالبة بالنجاح في كل هذه الأدوار في الوقت نفسه.
أما ربة المنزل، فوجودها طوال اليوم في البيت لا يعني أنها لا تعمل. فهناك عمل متواصل لا ينتهي بانتهاء ساعات الدوام، ولا يصاحبه راتب أو إجازة أو تقييم سنوي. ومع ذلك، يُتعامل معه أحيانًا كأنه أمر مفروغ منه.
لكن المشكلة لا تتوقف عند حجم المسؤوليات، بل تمتد إلى توزيعها.
ففي بعض البيوت، يتحول الأب إلى شريك في الإنفاق فقط، بينما تُترك التفاصيل التربوية للأم: النوم، الطعام، الدراسة، السلوك، العقاب، الشاشات، الخلافات، نوبات الغضب، وحتى الأسئلة التي لا تنتهي.
ثم عندما تظهر مشكلة في سلوك الطفل، تكون الأم أول من يُسأل: «أين أخطأتِ؟».
وهنا لا بد من القول بوضوح: التربية مسؤولية مشتركة، وليست وظيفة إضافية تُسلّم للأم.
الأب لا يحتاج إلى أن يكون موجودًا طوال اليوم حتى يؤدي دوره، لكنه يحتاج إلى أن يكون حاضرًا حين يكون موجودًا. أن يعرف ما يعيشه أبناؤه، أن يسمعهم، يلعب معهم، يتابع تفاصيلهم، يضع الحدود إلى جانب الأم، ويشاركها الأعباء بدلًا من الاكتفاء بتقييم أدائها.
وفي المقابل، لا يجوز أن نضع كل أب يواجه ظروف عمل قاسية في خانة «الأب الغائب». المشاركة ليست بعدد الساعات، بل بنوعية الحضور. قد يكون حديث قصير مع الطفل، أو قراءة قصة، أو مساعدته في واجبه، أو احتواء خوفه، أو تحمل مسؤولية يومية، أكثر تأثيرًا من وجود جسدي بلا تفاعل.
كما أن التربية الحديثة لا تعني أن يحصل الطفل على كل ما يريد. احترام مشاعره لا يعني قبول كل تصرفاته، والاستماع إليه لا يعني أن تكون كلمته هي الأخيرة.
الطفل يحتاج إلى الحب، لكنه يحتاج أيضًا إلى حدود واضحة.
يحتاج إلى من يقول له «أفهم غضبك»، وفي الوقت نفسه «لكن لا يمكنك إيذاء الآخرين لأنك غاضب».
وهنا يصبح السؤال الأهم في التربية ليس: كيف أجعل طفلي يطيعني؟
بل: أي إنسان أريد أن أصنع منه؟
فما نزرعه في السنوات الأولى لا يبقى داخل غرفة الطفل. الطريقة التي نعامله بها اليوم ستؤثر لاحقًا في طريقة تعامله مع شريكه وأطفاله وأصدقائه ومجتمعه.
الطفل الذي يتعلم أن الاختلاف يُناقش، يكبر وهو أكثر قدرة على الحوار. والذي يرى الاحترام داخل منزله يتعلم احترام الآخرين. أما من يعتاد الصراخ والإهانة والعنف، فقد يخرج إلى الحياة وهو يعتقد أن القوة هي الطريق الأسرع لحل الخلافات.
لذلك، فإن إعادة النظر في التربية لا تعني مهاجمة جيل سابق أو اتهامه بالخطأ، بل تعني أن نمتلك الشجاعة لنقول إن بعض الأساليب التي كانت مقبولة في الماضي لم تعد مناسبة اليوم، وأن ما يصلح لطفل في زمن معين قد لا يصلح لطفل يعيش في عالم مختلف تمامًا.
والأهم أن نتوقف عن مطالبة الأم بالكمال.
الأم تتعب، وقد تغضب، وقد تخطئ. وهذا لا يجعلها أمًا سيئة. بل إن اعترافها بخطئها واعتذارها لطفلها يمكن أن يكون درسًا تربويًا عظيمًا؛ لأنه يعلّمه أن الخطأ لا يعني نهاية العلاقة، وأن الاعتذار قوة وليس ضعفًا.
الطفل لا يحتاج إلى والدين مثاليين، بل إلى والدين حاضرين، متعاونين، قادرين على التعلم والتراجع عن الخطأ وإصلاحه.
فالبيت هو المدرسة الأولى، والأب والأم هما النموذج الأول الذي يراقبه الطفل قبل أن يتعلم من الكتب والمجتمع.
وإذا كنا نريد جيلًا أكثر توازنًا، فعلينا ألا نسأل الأم وحدها: «كيف ربّيتِ طفلك؟» بل أن نسأل الأسرة كلها: كيف ربّينا أبناءنا؟
لأن الطفل لا تصنعه الأم وحدها، ولا الأب وحده، ولا المدرسة وحدها.
إنه نتاج بيت كامل، وما نزرعه فيه اليوم سيحمله معنا إلى المجتمع غدًا



