خاص الموقع

سقوط الهيكل الأخير: من يحكم الرياضة اللبنانية؟ صراع الشرعية والنفوذ يضع الحركة الأولمبية أمام إنذار دولي

تحقيق صحفي وتحليل خاص | LEBANON NEWS ONLINE لبنان – 8 تشرين الثاني 2026

لم تعد أزمة الرياضة اللبنانية مجرد خلاف على رئاسة اتحاد أو تنافس على مقاعد إدارية داخل اللجنة الأولمبية. ما يجري اليوم يكشف أزمة أعمق تتعلق باستقلال المؤسسات الرياضية، وشرعية التمثيل، وحدود تدخل السلطات المحلية، ومدى قدرة الدولة اللبنانية على حماية موقعها داخل المنظومة الرياضية الدولية.

ففي الوقت الذي يحاول فيه الرياضيون اللبنانيون انتزاع فرصهم في البطولات العربية والقارية والدولية وسط ظروف اقتصادية صعبة، تجد المؤسسات التي يفترض أن ترعى هذه المواهب نفسها أمام نزاعات قانونية وإدارية متشعبة، وصلت إلى محكمة التحكيم الرياضي الدولية في لوزان، ودفعت اللجنة الأولمبية الدولية والمجلس الأولمبي الآسيوي إلى توجيه تحذير جديد إلى السلطات اللبنانية.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كيف وصلت الرياضة اللبنانية إلى مرحلة أصبح فيها الاعتراف الدولي والتمثيل القانوني موضع نزاع، فيما يدفع الرياضيون والأندية والمنتخبات ثمن الاضطراب المؤسسي؟

أولاً: انتخابات أيار 2025.. عندما أصبح للجنة الأولمبية رئيسان

تعود إحدى أبرز محطات الأزمة إلى أيار 2025، عندما شهدت اللجنة الأولمبية اللبنانية اجتماعين انتخابيين منفصلين.

في 14 أيار 2025، انتُخب جهاد سلامة رئيساً للجنة الأولمبية في اجتماع انتخابي لم يضم جميع رؤساء الاتحادات وأعضاء اللجنة التنفيذية.

وبعد يومين، في 16 أيار 2025، انتُخب بطرس جلخ رئيساً للجنة الأولمبية اللبنانية في اجتماع آخر.

لم يكن الأمر مجرد اختلاف على نتائج انتخابية، بل تحول إلى نزاع حول الجهة التي تملك حق تمثيل لبنان داخل الحركة الأولمبية الدولية.

ففي حين اتجهت وزارة الشباب والرياضة إلى منح الاعتراف الإداري للهيئة المنتخبة في 14 أيار، تمسكت اللجنة الأولمبية الدولية والمجلس الأولمبي الآسيوي بالهيئة المنتخبة في 16 أيار.

وهكذا أصبح لبنان أمام واقع مؤسساتي شديد الحساسية: اعتراف إداري محلي في مواجهة اعتراف أولمبي دولي.

وقد تناولت صحيفة L’Orient Today هذه الأزمة في تقرير نشرته في 5 حزيران 2025، محذرة من التداعيات التي قد تطاول مشاركة لبنان في الاستحقاقات الأولمبية.

ثانياً: محكمة التحكيم الرياضي في لوزان.. ماذا حسم القرار فعلياً؟

من أبرز التطورات القانونية في هذا الملف صدور قرار محكمة التحكيم الرياضي الدولية (CAS) بتاريخ 20 آذار 2026، في القضية رقم:

CAS 2025/A/11499

والتي تقدم بها جهاد سلامة والاتحاد اللبناني للمبارزة، للطعن في إجراءات الجمعية العمومية للجنة الأولمبية المنعقدة في 16 أيار 2025.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة لأنها نقلت النزاع من نطاق الخلافات المحلية إلى مؤسسة التحكيم الرياضي الدولية.

وبحسب الحكم الأصلي المنشور على الموقع الرسمي للمحكمة، خلصت هيئة التحكيم إلى أن الجمعية العمومية المنعقدة في 16 أيار 2025، والقرارات المتخذة خلالها، كانت صحيحة، كما اعتبرت أن النصاب القانوني المطلوب قد تحقق، بعد احتساب الاتحادات التي كان يحق لها المشاركة والتصويت وفق الأنظمة المعمول بها.

كما تناول الحكم مسألة الاعتراف الإداري بالاتحادات، موضحاً أن غياب الاعتراف الرسمي أو سحبه من وزارة الشباب والرياضة لا يؤدي، بحد ذاته، إلى إسقاط عضوية الاتحاد في اللجنة الأولمبية أو حقه في المشاركة والتصويت، وفق الظروف الخاصة بالقضية والأنظمة التي طبقتها المحكمة.

هذه النتيجة تمثل محطة قانونية أساسية في النزاع، وتؤكد أهمية العودة إلى النص الأصلي للأحكام بدلاً من الاكتفاء بالبيانات الإعلامية أو التفسيرات المتبادلة.

لكن صدور القرار لا ينهي تلقائياً جميع الإشكالات الإدارية والسياسية المحيطة بالرياضة اللبنانية، ولا يعفي المؤسسات الرسمية من مسؤولية معالجة آثار الانقسام.

ثالثاً: تشرين الثاني 2026.. إنذار جديد من اللجنة الأولمبية الدولية

دخلت الأزمة مرحلة جديدة خلال الأيام الأخيرة.

ففي 5 و7 تشرين الثاني 2026، نشرت وسائل إعلام لبنانية تقارير عن رسالة مشتركة وجهتها اللجنة الأولمبية الدولية والمجلس الأولمبي الآسيوي إلى وزيرة الشباب والرياضة نورا بيرقداريان.

وبحسب مضمون الرسالة كما نقلته وسائل الإعلام، دعت الهيئتان الدوليتان الوزارة والسلطات الحكومية المعنية إلى التعاون حصراً مع قيادة اللجنة الأولمبية اللبنانية المعترف بها دولياً، برئاسة بطرس جلخ، والمنتخبة في 16 أيار 2025، وذلك في ضوء القرار الصادر عن محكمة التحكيم الرياضي.

كما شددت الرسالة على ضرورة التعامل مع الاتحادات الرياضية الوطنية المنتسبة أصولاً والمعترف بها من الاتحادات الدولية المختصة، بما يتوافق مع الميثاق الأولمبي.

والأكثر حساسية هو التحذير من إمكانية اتخاذ تدابير وقائية وعقوبات وفق المادة 27.9 من الميثاق الأولمبي، في حال استمرار الوضع من دون معالجة.

ووفق التقارير المنشورة، طلبت الهيئتان الدوليتان تلقي رد السلطات اللبنانية في موعد أقصاه 15 تشرين الثاني 2026.

وهنا يجب التمييز بين التحذير والعقوبة: لبنان لم يُعلن إيقافه دولياً بموجب هذه الرسالة، لكن مجرد وصول النزاع إلى مستوى التحذير من تدابير دولية يضع المؤسسات الرياضية والسلطات الرسمية أمام مسؤولية كبيرة.

فأي إجراء دولي محتمل قد ينعكس على مشاركة المنتخبات والرياضيين اللبنانيين في الاستحقاقات الخارجية، وهو ما يجعل معالجة الأزمة مسألة تتجاوز المواقع الإدارية إلى المصلحة الوطنية.

رابعاً: اتحاد الجمباز.. نموذج آخر لتضارب التمثيل والصلاحيات

لم تبقَ إشكالية التمثيل محصورة باللجنة الأولمبية.

ففي 4 تشرين الثاني 2026، نشرت صحيفة النهار تقريراً عن قرار قضائي مستعجل صادر في بيروت، منع حسين طه وبشير زغيب، ومن يعمل أو يتعاون معهما، من استخدام اسم الاتحاد اللبناني للجمباز وشعاره وأختامه أو تمثيله في المراسلات والمنافسات المعنية.

وبحسب التقرير، استند القرار إلى إفادة صادرة عن وزارة الشباب والرياضة بتاريخ 5 آب 2026، تفيد بأن جودت شاكر هو رئيس الاتحاد وأن ولاية هيئته الإدارية لا تزال سارية.

كما أشار التقرير إلى فرض غرامة إكراهية قدرها عشرة آلاف دولار عن كل مخالفة للقرار.

وتكشف هذه القضية عن خطورة تضارب الصلاحيات داخل الاتحادات الرياضية، خصوصاً عندما يصل الخلاف إلى مرحلة يصبح فيها تحديد الجهة المخولة بالتسجيل والمراسلة وتمثيل لبنان أمام الجهات الخارجية موضع تدخل قضائي.

والسؤال هنا لا يتعلق باتحاد الجمباز وحده، بل بمدى قدرة النظام الرياضي اللبناني على منع تكرار هذه النزاعات داخل اتحادات أخرى.

خامساً: الانتخابات الرياضية.. هل تعكس الهيئات العامة النشاط الحقيقي للأندية؟

من الملفات التي تحتاج إلى معالجة جدية ملف العضوية والتمثيل داخل الهيئات العامة للاتحادات.

فالهيئات العامة هي أساس العملية الانتخابية، ومنها تنبثق الإدارات التي تتحكم بمسار الاتحادات وقراراتها.

لكن سلامة الانتخابات لا تبدأ يوم الاقتراع، بل تبدأ من سلامة سجل الأندية والعضوية والشروط التي تمنح المؤسسات حق التصويت.

ومن هنا تبرز مجموعة من الأسئلة التي تستحق تحقيقاً مستقلاً:

– كم يبلغ عدد الأندية المسجلة في كل اتحاد؟

– كم نادياً يمارس نشاطاً رياضياً فعلياً؟

– ما حجم مشاركتها في البطولات الرسمية؟

– هل تمتلك برامج تدريبية وفئات عمرية؟

– هل تخضع العضوية لمراجعة دورية؟

– هل توجد آليات تمنع تضارب المصالح واستغلال الأصوات الانتخابية؟

لقد أثيرت في النقاش الرياضي اتهامات بشأن وجود أندية غير فاعلة أو عضويات تُستخدم لأهداف انتخابية، إلا أن إثبات هذه الادعاءات يتطلب سجلات رسمية وتدقيقاً مستقلاً، وليس الاكتفاء بالاتهامات المتبادلة.

إن أي خلل في التمثيل الانتخابي، إذا ثبت، لا يضر فقط بمنافسة المرشحين، بل يضرب ثقة الأندية الفعلية بالاتحادات التي يفترض أن تمثلها.

سادساً: المال الرياضي والشفافية.. أين تذهب الموارد؟

لا يمكن الحديث عن إصلاح الرياضة اللبنانية من دون فتح ملف التمويل والإنفاق.

فالرياضة الحديثة تحتاج إلى موارد مالية مستدامة، وبرامج إعداد، ورعاية للفئات العمرية، وتجهيزات ومنشآت، إضافة إلى تغطية تكاليف المشاركة في البطولات الدولية.

ومن حق الجمهور والأندية والرياضيين معرفة كيفية إدارة هذه الموارد.

ومن هنا تبرز أسئلة أساسية:

1. ما مصادر التمويل التي تعتمد عليها الاتحادات؟

2. كيف توزع المساعدات والمنح والرعايات؟

3. هل تنشر الاتحادات ميزانياتها وتقاريرها المالية؟

4. هل تخضع الحسابات لتدقيق مستقل؟

5. ما المعايير المعتمدة لدعم المنتخبات والفئات العمرية؟

6. هل توجد قواعد واضحة للإفصاح عن المصالح ومنع تضاربها؟

إن غياب المعلومات المالية المنشورة لا يشكل دليلاً على وجود اختلاس أو فساد، لكنه يضعف الرقابة والثقة، ويجعل المطالبة بالشفافية ضرورة مؤسساتية لا يمكن تأجيلها.

سابعاً: اللاعب اللبناني.. من يحمي سنوات التدريب والتضحيات؟

وسط هذا المشهد الإداري والقانوني، يبقى اللاعب اللبناني الحلقة الأكثر عرضة للتأثر.

فالرياضي الذي يقضي سنوات في التدريب، ويتحمل تكاليف التجهيزات والسفر والمشاركة، لا يجب أن يتحول إلى ضحية لخلافات لا يملك قراراً فيها.

لقد أثبتت المواهب اللبنانية قدرتها على المنافسة في مختلف الألعاب، رغم ضعف الإمكانات وغياب الاستقرار المالي.

لكن الإنجازات الفردية لا يمكن أن تشكل بديلاً عن وجود مؤسسات قوية.

فالمنتخب الوطني يحتاج إلى إدارة مستقرة، وبرامج إعداد طويلة الأمد، وتمويل واضح، وعلاقات دولية سليمة.

وأي اضطراب في الاعتراف أو التمثيل أو التسجيل الدولي يمكن أن يضع مستقبل الرياضيين أمام مخاطر لا علاقة لهم بصناعتها.

ثامناً: ما المطلوب لإنقاذ الرياضة اللبنانية؟

إن الخروج من هذه الأزمة لا يتحقق بتبادل البيانات أو تغيير أسماء المسؤولين فقط، بل يحتاج إلى إصلاح مؤسساتي شامل يقوم على قواعد واضحة.

وتتمثل الأولويات في:

1. احترام القرارات التحكيمية الدولية: معالجة آثار النزاعات القانونية وفق الأحكام والأنظمة النافذة.

2. استقلال القرار الرياضي: حماية الاتحادات واللجنة الأولمبية من التدخلات السياسية والحزبية وتضارب المصالح.

3. تدقيق سجلات الأندية: مراجعة العضويات والأنشطة والهيئات العامة وفق معايير قانونية وموضوعية.

4. شفافية الانتخابات: ضمان تكافؤ الفرص، ووضوح شروط الترشح والتصويت، ونشر المحاضر والنتائج.

5. الرقابة المالية: اعتماد تدقيق مستقل ونشر التقارير المالية والإدارية بصورة دورية.

6. تفعيل التحكيم الرياضي: تطوير آلية مستقلة وفعالة لحل النزاعات الرياضية، مع احترام حق التقاضي وطرق الطعن القانونية.

7. حماية الرياضيين: ضمان استمرارية برامج المنتخبات ومشاركة اللاعبين في المنافسات الخارجية بعيداً عن النزاعات الإدارية.

الخاتمة: الرياضة ليست ملكاً للمسؤولين

إن ما تشهده الرياضة اللبنانية اليوم يضع الدولة والمؤسسات الرياضية أمام اختبار حقيقي.

فإما أن تتحول الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء الحوكمة الرياضية على أساس القانون والشفافية والاستقلال، وإما أن تستمر الخلافات في استنزاف ما تبقى من ثقة الجمهور والرياضيين بالمؤسسات.

لم يعد مقبولاً أن يكون مستقبل اللاعب مرتبطاً بمسار نزاع إداري، أو أن تصبح هوية الجهة التي تمثل لبنان موضع تضارب أمام الاتحادات الدولية.

إن المطلوب اليوم ليس انتصار فريق إداري على آخر، بل انتصار المؤسسات على الفوضى، والقانون على المصالح، والكفاءة على المحاصصة.

الرياضة اللبنانية ليست ملكاً لحزب أو مسؤول أو اتحاد. إنها حق عام، وواجهة وطنية، ومسؤولية تجاه جيل كامل من الشباب.

والسؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً أمام الرأي العام:

من يحاسب المسؤولين عن إدارة الرياضة اللبنانية، ومن يضمن ألا يدفع الأبطال ثمن صراعات لم يصنعوها؟

LEBANON NEWS ONLINE

لبنان إلى العالم | قضايا وطنية، رياضة، ثقافة ومجتمع.

—

الكلمات المفتاحية:

الرياضة اللبنانية، اللجنة الأولمبية اللبنانية، بطرس جلخ، جهاد سلامة، وزارة الشباب والرياضة، محكمة التحكيم الرياضي، CAS، الميثاق الأولمبي، الاتحادات الرياضية، الحوكمة الرياضية، استقلال الرياضة، لبنان.

الهاشتاغات:

#الرياضة_اللبنانية #اللجنة_الأولمبية_اللبنانية #أنقذوا_رياضة_لبنان #استقلال_الرياضة #الحوكمة_الرياضية #أبطال_لبنان #وزارة_الشباب_والرياضة #Lebanon #LebaneseSports #OlympicCommittee #SportsGovernance #SaveLebaneseSports

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى