
بين شباط 2005 وشباط 2026، محاولة اغتيال جديدة للسياسة الحريرية في لبنان.
بين شباط 2005 وشباط 2026، محاولة اغتيال جديدة للسياسة الحريرية في لبنان.
كتب الاعلامي خليل مرداس :
فبعد أكثر من عقدين على الزلزال الذي أحدثه اغتيال الرئيس رفيق الحريري، يبدو أن المشهد يعيد إنتاج نفسه بأساليب مختلفة، مع عودة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري إلى قلب المعادلة السياسية، وقلبه التوازنات القائمة عبر حشد شعبي وتعاطف غير متوقّع في ساحات بيروت.
الحشود التي امتلأت بها ساحات العاصمة لم تكن تفصيلاً عابراً في روزنامة السياسة اللبنانية، بل شكّلت رسالة سياسية مباشرة، أربكت الحسابات الداخلية وحرّكت خطوط الاتصال الخارجية. فالتعاطف الشعبي الواسع مع الحريري بدا وكأنه يعيد إحياء تيار سياسي ظنّ كثيرون أنه دخل مرحلة الانعزال السياسي ، ليتحوّل المشهد سريعاً إلى مصدر قلق لدى عواصم إقليمية، وفي مقدّمها السعودية، التي أبدت انزعاجها من هذا التحوّل المفاجئ.
وبحسب مصادر سياسية مطّلعة، فإن الغضب السعودي تُرجم استنفاراً دبلوماسياً عبر اللجنة الخماسية، حيث بدأ تسويق خيار تأجيل الانتخابات النيابية تحت عناوين تقنية وإدارية، فيما الهدف الفعلي هو احتواء موجة التعاطف الشعبي ومنع ترجمتها سياسياً في صناديق الاقتراع.
هذا التطور أعاد فتح النقاش حول مستقبل العملية الانتخابية في لبنان، في ظل ظروف داخلية مأزومة وأوضاع إقليمية شديدة الحساسية. ويخشى مراقبون أن يتحوّل الحديث عن التأجيل إلى أداة ضغط سياسية، تُستخدم لإعادة خلط الأوراق وتعديل موازين القوى قبل الاستحقاق الدستوري.
وفي هذا السياق، يتقدّم السؤال الأكثر إحراجاً: ماذا سيفعل رئيس مجلس النواب نبيه بري؟
هل سيرضخ لموجة الضغوط الدولية والإقليمية، ويمرّر فكرة التأجيل تحت عنوان “الضرورة الوطنية”، أم سيسلك طريقته المعهودة في تمرير الألغام الداخلية والإقليمية، وإدارة الاستحقاق بأسلوبه القائم على التسويات الرمادية والقرارات في اللحظة الأخيرة؟
اللافت أن ما يجري اليوم يذكّر اللبنانيين بمناخ شباط 2005، يوم بدا أن السياسة تُغتال مع الدم، فيما يُخشى اليوم أن تُغتال السياسة بالقرارات المؤجَّلة والفرص الضائعة. فبين اغتيال الجسد في الأمس، ومحاولة اغتيال الدور السياسي اليوم، يقف لبنان مرة جديدة أمام مفترق خطير: إما إعادة إنتاج الحياة السياسية عبر الانتخابات، أو الانزلاق إلى مرحلة جديدة من التعطيل الممنهج.
في المحصلة، ما بين شباطين، تتكرّر المحاولة… مرة بالرصاص، ومرة بالسياسة. والنتيجة واحدة: إقصاء مشروع سياسي من المعادلة الوطنية. غير أن الشارع الذي عاد وامتلأ، يبعث برسالة واضحة مفادها أن الاغتيال السياسي قد يكون أصعب من الاغتيال الأمني، لكنه ليس مستحيلاً على من يملك الإرادة الشعبية



