خاص الموقع

خليل مرداس : بين صفيحة البنزين ورواتب الذهب… من يدفع ثمن الانهيار؟

 

 

كتب الاعلامي خليل مرداس : بين صفيحة البنزين ورواتب الذهب… من يدفع ثمن الانهيار؟

في كل مرة تُرفع فيها أسعار البنزين، يُقال للبنانيين إن لا بديل عن التقشف، وإن الخزينة فارغة، وإن الدولة عاجزة عن الدعم. لكن الحقيقة القاسية هي أن شعباً بأكمله يُطالَب بشدّ الأحزمة، فيما أبواب الهدر والامتيازات ما زالت مشرّعة على مصراعيها.

زيادة البنزين لا تعني مجرد أرقام على لوحة محطة الوقود، بل تعني ارتفاع كلفة النقل، والخبز، والدواء، والتعليم… وتعني عملياً اقتطاعاً جديداً من جيوب الناس المنهكة أصلاً. وفي المقابل، هناك منظومة كاملة تعيش خارج منطق الأزمة.

 

في مصرف لبنان وحده، يعمل نحو 1850 موظفاً، يتقاضى كل واحد منهم راتباً شهرياً يتراوح بين 3000 و13000 دولار. أي أن مؤسسة يُفترض بها أن تكون رمزاً للضبط المالي، باتت مثالاً صارخاً على الفجوة بين رواتب المواطنين ورواتب المحظيين.

 

أما نواب حاكم مصرف لبنان الأربعة، فيشغلون مناصبهم لخمس سنوات، ويخرج كل واحد منهم بتعويض نهاية خدمة يصل إلى مليون ونصف المليون دولار، عدا عن الرواتب المضاعفة وبدلات السفر الخيالية التي لا تخضع لأي منطق محاسبي في بلد يطلب من شعبه الصبر.

 

الأدهى من ذلك أن مصرف لبنان مُلزَم قانوناً بتقديم 80% من أرباحه إلى الدولة، لكن ما يُحوَّل فعلياً لا يتجاوز 40 مليون دولار سنوياً، في حين أن أرباحه الحقيقية لا تقل عن 300 مليون دولار في السنة. ورغم هذا الحجم الهائل من الأموال، لا يخضع المصرف لديوان المحاسبة ولا للتفتيش المركزي ولا لأي سلطة رقابية لبنانية فعلية.

 

وفي إذاعة لبنان، هناك نحو 150 موظفاً يتقاضون رواتب شهرية، بينما لا يداوم فعلياً سوى 40 موظفاً. مؤسسة عامة برواتب كاملة… وإنتاج شبه معطّل.

 

أما في قلب بيروت، فملعب الغولف الممتد على مساحة 420 ألف متر مربع، ما زالت الدولة تتقاضى بدل إيجاره السنوي 15 ألف ليرة فقط، أي ما يوازي ثمن صفيحة بنزين واحدة اليوم.

ومقر الـ ATCL البالغة مساحته 99 ألف متر مربع، تستوفي الدولة بدل إيجاره ليرة واحدة في السنة، وكأن الأرض العامة بلا قيمة.

 

حتى المخالفات المرورية، التي يُفترض أن تكون مورداً للخزينة، تتحول إلى باب آخر للهدر. إذ يُسجَّل يومياً نحو ألف مخالفة سرعة بقيمة تقارب 60 ألف دولار، يذهب أكثر من نصفها إلى القضاة ومستشاريهم، والباقي إلى وزارة الداخلية، فيما لا تدخل الخزينة ليرة واحدة منها.

 

ولا يقف النزف عند هذا الحد. فأرباح كازينو لبنان كانت تُوزَّع بغالبيتها على سياسيين ونافذين، فيما تقاضى بعض النواب رواتب شهرية وصلت إلى 10 آلاف دولار من هذا المرفق الذي يُفترض أنه ملك للدولة.

 

أمام كل هذه الوقائع، يصبح رفع سعر البنزين قراراً بلا أخلاق سياسية. فالدولة التي تعجز عن ضبط الهدر في مؤسساتها، لا يحق لها أن تطلب من المواطن أن يدفع الثمن وحده.

الأزمة ليست في البنزين، بل في نظام كامل يقوم على الامتيازات، ويترك الشعب في طوابير الفقر.

 

اللبناني لم يعد يسأل: لماذا ارتفع سعر البنزين؟

بل يسأل: لماذا دائماً أنا من يدفع… وغيري لا يُحاسَب؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى